دين سماوي أم أديان سماوية؟
هل الدين الإسلامي يقصد به فقط الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟
وبالتالي هل نقول حوار الديانات أم الحوار الديني
؟ (عندما يتعلق الأمر بالديانات السماوية طبعا)
في الحقيقة إذا ما تأملنا في هذه الأسئلة في ضوء القرآن الكريم و في ضوء التصور الإسلامي، نجد أن هناك دين واحد فقط وإنما كان نزوله متدرجا (...اليهودية، المسيحية، الاسلام) بتدرج الانسانية، وبتدرج أحوال البشرية (درجة الفهم، والعقل...)
إن أحوال الانسانية لم تكن يوما ثابتة وإنما كانت في تطور مستمر ومن حسن التدبير الإلهي أرسل الله سبحانه وتعالى أنبياءه فكانت دعوتهم مختلفة من نبي إلى آخر  وإن كانت متفقة في الأصول الكبرى كالتوحيد كما سيأتي... وكانت تعاليم كل رسالة تتناسب مع القوم الذي نزلت فيه.
لعل الإشكال الذي يعترض الحوار الديني بين المسلمين وغيرهم، هو حصر (الاسلام) في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم في حين أن كلمة ( مسلمين ) (إسلام) تشمل كافة الديانات!!
من أين جاءت تسمية المسلمين؟
إن أول من أطلق هذا الاسم كان سيدنا إبراهيم عليه السلام، (  هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ) [الحج: 78]
وبالرجوع إلى الأنبياء الآخرين نجد أبناء سيدنا يعقوب يجيبون على سؤال أبيهم : (  أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: 133]
وسيدنا إبراهيم ومعه سيدنا إسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت، قالا (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) [البقرة:128]
سيدنا عيسى أيضا لما أحس منهم الكفر : ( ۞ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) [آل عمران: 52]

من هذه الآيات وغيرها يتضح أن  الاسلام والمسلمين كانوا قبل النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وبهذا الفهم،  تعالوا لنقرأ الآية الكريمة :(وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران :85]
فيكون المعنى : "من يبتغ غير دين التوحيد دينا ومن لم يكن حنيفا، وكان مشركا فهؤلاء لن يقبل دينهم وهم في الآخرة من الخاسرين".

يقول الله سبحانه وتعالى في أهل الكتاب: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ (52)وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ(53) أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(54)) [الآيات من سورة القصص]

فأهل الكتاب إن آمنوا برسالة محمد (و كانوا من مسلمين) آتاهم الله أجرهم مرتين !!


فالدين واحد شريطة أن يكون متبعيه حنيفين غير مشريك (

۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ

) [الشورى:13]


فالمشكلة فيمن كان مشركا وكان كافرا وفرق الدين وليس مع من كان حنيفا ولم يكن من المشركين.



فالدين واحد جاء متدرجا حسب نضج الأمم، وعندما اكتمل هذا النضج ووصل عقل الانسان الى أوجه وأصبح جاهزا للاستخلاف، أتم الله رسالته ببعثة سيدنا محمد (

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ

) [المائدة: 3]  اليوم صرت جاهزا أيها الانسان في الاستخلاف والتعمير وبناء الحضارة...


ما يؤكد هذا، طرح السؤال ماذا فعلت الإنسانية قبل (اليوم أكملت لكم دينكم)؟ وماذا فعلت الإنسانية خلال 14 قرن منذ بعثة محمد؟
مقارنة بسيطة والجواب لكم!


ختاما، لا يسعني إلا أن أختم بأجمل وصف لما سبق، قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: " 

إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَكْمَلَهُ ، إِلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ : هَلا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ ؟ قَالَ : فَأَنَا اللَّبِنَةُ ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ

" [رواه البخاري، ومسلم]