من مارتيل سلام عبق، وتحية شامخة أرسلها لك، وأنا أعلم أنك في موقعك الآن، إما تقرأ كتبا قديمة أو تشرب كأس حليب ساخن مع قليل من القهوة وخبز محمص مع قليل من الزيت، أو أنك تتحدث عني؛ أعلم جيدا ما يدور هناك وان كنت بعيدا، فلتعلم يا صديقي أن البعد أجمل وأن الحياة يجب أن تعاش هكذا، أن نغامر ونصارع لعلنا نفوز، المحاولة شرف وكم من محاولة شرفتني يا أبي وإن فشلت؛ تتذكر يوم بكيت في حضرتك وأنا أحكي لك كيف حاولت أن أسرق بائع الكران بوجدة لأني شعرت بالجوع، بكيت أيضا وحاولت أن تغالب ذلك بالضحك؛ كأنك تضحك عني، تحاولي أن تهدء من روعي لكني كنت مختنقا وشعرت بالدونية يا أبي، شعرت بالألم الذي لا يشعر به إلا القليل وعلى الأقل الذين كانوا معي لم يفكرو في السرقة أبدا، أنا فكرت لأن الجوع نخر معدتي وكنت على وشك أن أسقط، جسدي النحيل لا يقوى على الجوع يا أبي؛ أخبرتك وقتها الحقيقة بعد أن سألتني هل نجحت هل استوفيت كل المواد، كم تبدو لك الأسئلة سهلة وكم يبدو لك النجاح سهلا في ظرفي، هل تعلم يا أبي معنى أن تجوع؛ فليغفر الله لكل الجائعين وليدخلهم الجنة دون حساب، وإن سرقوا فلا جناح عليهم يا أبي!

يا أبي، إني أعرف جيدا أنك لست راضيا علي إلى درجة الإيمان بي وأنا أتفهم ذلك؛ بالرغم من أني حاولت قدر استطاعتي أن أكون سببا في إبتسامتك، في كل مرة أريد أن أراك تبتسم اقلد لك أصوات أشخاص تعرفهم، فتضحك وحين تخبرني المزيد أسعد، على الأقل أكون سببا في ضحكك؛ ثم تنصحني أن التقليد عيب؛ نعم عيب لكن نيتي صافية يا أبي، أحب الذين أقلدهم، أقلد الصوت لا الحركة، نتناقش في الأمر فتنسى كل شيء، كم أشعر الآن برغبة في أن أقبل رأسك، خديك، يديك، ثم أتحين فرصة أن أحلق وجهك بالرغم من تعبي فإني أحلقه، ها أنت ترضي علي وتدعو الله لي بعنين ذابلتين أن "انجحني"..

يا أبي العزيز محمد، يجب أن تفهم جيدا أني أحبك وأني لم ولن أتذمر يوما أنك كنت سببا في وجودي بالحياة؛ بل أشكرك جدا، أشكرك على كل تضحياتك الجسام، على كل مشاعر الحب التي تكنها لي، أتذكر في آخر وعكة صحية كيف عاملتني، اقتنيت لي الدواء وما لذ من الفواكه، كنت حريصا أن تسألني كل ساعة إن كنت بخير، كرهت نفسي وقتها لأني لم أستطع أن أقوم لأقتني لنفسي الدواء، لا أريد أن أستسلم للمرض وان كان صداعا خفيف، ولا أنا أريدك أن تستسلم يوما للمرض، فأنا أحتاجك لتذهب معي يوما إلى الكيشي لنستخلص بعض المال وأدسه كاملا في جيب قميصك، أريدك أن ترقص معي في ليلة فرح وان كنت لا تحب الرقص ولا تجيده، أريدك أن تمسك بيدي وتدعو لي الفلاح، ها أنا على وشك أن أذرف دمعة ساخنة يا أبي العزيز، أنت لا تعلم كم أن قلبي مكدس بمشاعر الحب، مشاعر لا أستطيع أن أصفها لك ولا أن يفهمها الآخرون، سيعتقدون أني أكذب لكني لا أكذب، أنا أعرف أني لا أكذب يا أبي، لا أكذب، صدقني أنت يا أبي وليكذبني الآخرون..

أبي العزيز، أرجو أن تكون بخير وعلى خير وأن تتمتع بصحة جيدة، وأن تغمرك السعادة والهناء، إني مستاء من نفسي لأني لست قادرا أن أهديك جلبابا صوفيا كما فعلت ذات عام، أعلم أني سأعود بين يوم وآخر، لكن حز في نفسي أن لا أقبل رأسك مرة ثانية وثالثة وأذهب، فأرجو أن تدعوا الله لي، أنا هنا شطر الشمال، وأنت هناك في تلة إعبوثن، اهتم بنفسك وعش سعيدا فإني سأكون رجلا، أحاول وأحاول، وسأعترف لك دوما ....أحبك..

أعلم أن أبي لا يتوفر على حساب فايسبوك، لكني مدرك أن الحانوتي سيخبره بذلك

بوعاصم الابن