بين الليل والنهار

تمارى الليل والنهار ذات مرة واشتد الجدال بينهما وأخذ كل واحد منهما يفضل نفسه ويقدمه على الآخر. قال النهار: أنا خير منك وأفضل لأن في ضوئي يسعى الناس لأرزاقهم ويجتهدون لمعاشهم وأقواتهم وفي نوري ترى كل واحد مشغول بعمله عاكف على مهنته،

أنا الذي يبعث الأمل في حياتهم والنشاط في نفوسهم وأنا الذي ينطلق منه أشعة القوة وأنا الذي ينفخ روح القوة في أبدانهم وقلوبهم لمقارعة الخطوب ومجابهة الدهر ومواجهة تقلبات الزمان وجيوش الظلم والحرمان. بي يستمدون القوة والشحن لكي يستمروا في عملهم وشغلهم وينشغلوا في كفاحهم ونضالهم حتى النجاح والفلاح.

فلست أفضل مني لأنك عندما تحل وتجيئ يندم الناس و ييأسون ويرجون لو طال النهار ولأنك الخيبة والفشل يمثلون ظلامك لكل شر ورذيلة ويترفعون أن ينسبوا إليك أي فضيلة فأنت أخ اليأس والقنوط والندم والخسارة.وفي أذيال ظلامك يتأوه العشاق والمحبون ويتقلبون في جمرات الحب واللوعة ويتململون من طول ظلامك وشدة حلكتك.

لم يكن الليل ليسمع فقط وقد غضب وعربد وجهه فصاح مغضبا وقال: كفاك كذبا أيها المغرور الوقح، أنت لا تدري كم فيّ من الراحة والسكينة وكم فيّ من الهدوء والطمأنينة، الملهوفون والمظلومون والعشاق والمحبون كلهم ينتظرونني في بريقك في أحرّ من الجمر لكي يبثوا إلىّ شكواهم ونجواهم ويشاطروا بي آلامهم وأحزانهم وأحلامهم وآمالهم لعل بي تبرد بعض ما تتوهج في قلوبهم من اللوعة والحرقة واللهيب والأجيج.

عندما يتعب الناس في ضوئك ولمعانك يترقبون مجيئي لكي يأخذوا قسطهم من الراحة ونصيبهم من الهناء

كل مظلوم وملهوف يبث إليّ شكاته وبؤسه وحرمانه وعداوة الدهر وجوره وغدر الإخوان وجفاءهم فأحن عليهم حنان الأم الحنون وأعطف عليهم عطف الأب الشفيق.

لو لم أكن لما قرأت أساطير الحب ولما اشتاق محب إلى محب ولما حن أخ على أخ ولما سمعت:

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل

أنا الذي أزيد في أشواقهم فيطيرون إلى أحبتهم بلا أجنحة.