الظلام يخيم هنا وهناك، وشبح الموت يحصد الآلاف يوميًا، وعالمٌ بالكامل تم تقييد حريته، وقادة قد أقروا بأنه قد نفذت حلول الأرض والأمر متروك للسماء فكيف ومتى بدأ كل ذلك؟

-بدأت الحكاية في عام 1886 عندما لاحظ Adolph Meyer)) أن هناك مرضًا في نبات التبغ (tobacco mosaic) يستطيع ان ينتقل من النباتات المصابة إلى النباتات السليمة من خلال مستخلصات النباتات، وقدم للعالم إصابة جديدة غير الإصابات البكتيرية، حيث كان المتعارف عليه والمنتشر في ذلك الوقت أن البكتريا هي التي تسبب الأمراض كبكتريا Yersinia pestis)) التي تسبب الطاعون، ذلك الموت الاسود الذي أودى بحياة الملايين من البشر.

وفي عام 1892أظهر(Dmitri Ivanowski) أن هذا المرض يستطيع ان ينتقل بهذه الطريقة حتى بعد ان تم ازالة جميع البكتريا بواسطة Chamberland-Pasteur filter- من هذا المستخلص، ومع ذلك فإن Dmitri لم يفطن أن ذلك الممرض ليس عبارة عن بكتيريا صغيرة جدًا في الحجم ولكّنه نوعٌ جديد من الجسيمات الدقيقة المسببة للأمراض. وانتظر العالم ان يأتي (Beijerinck) ويوضح ان ذلك الممرض(pathogen) هو عبارة عن كائنٍ جديد لا يُرى بالميكروسكوب الضوئي، وأطلق عليه كلمة فيروس (Virus)، وأتت كلمة فيروس من كلمة لاتينية.

ولم يعِ العلماء في ذلك الوقت أن ذلك الكائن-الّذي قد اختلفوا في توصيفه هل هو كائن حي ام لا- أنه سيأتي يوم، ويكون ذلك الكائن الذي لا يرى بالعين المجردة، مصدر رعب للملايين بل للمليارات من الناس، وأن شركات ستفلس; واقتصاد سينهار، وإنه سيسجن عالمًا قد طورته التكنولوجيا حتى أضحى كالقرية الصغيرة.

وتوالت من بعد ذلك الأبحاث، حتى توصلوا بأن هناك فيروسات في الكون يتجاوز عددها عدد النجومِ في السماء، وأننا في عالمٍ تملؤه الفيروسات ونكاد نكون نحن ضيوفًا عندهم وأنهم موجودون من قديم الأزل وأن سلالة واحدة من فيروس قادرة على إماتة 90% ممن أصابتهم كما حدث في تفشي سلالة الإيبولا 2014-2016.

 فهيا بنا لنأخذ يا صديقي جولة صغيرة نتعرف فيها على ذلك الكائن الشرس.

-إن الفيروس بشكل عام يتراوح حجمه بين 17 نانومتر-2,3 ميكروميتر، بقطر يتراوح بين 20-250 نانومتر، على عكس البكتريا الّتي هي أكبر بحوالي مئة (100) مرة.

-وهناك أكثر من مائتي نوع، قد تم اثبات قدرتهم على إصابة الإنسان، وقد كان اولهم هو فيروس الحمى الصفراء (Yellow Fever) في عام 1901.

فيما يلي قائمة بأكثرِ الفيروسات المميتة التي أنهكت البشرية وأخذت الآلاف من الأرواح وتركت آثرًا غائرًا في نفوس الجميع:

HIV

في العالم الحديث، قد يكون الفيروس الأكثر دمويةً هو فيروس نقص المناعة البشرية ((HIV. وقال الدكتور (Amesh Adalja) طبيب الأمراض المعدية والمتحدث باسم جمعية الأمراض المعدية الأمريكية:» إنه لا يزال هو القاتلُ الأكبر «.

توفي ما يقدر بنحو 32 مليون شخص من فيروس نقص المناعة البشرية منذ أن تم التعرف على المرض لأولِ مرة في أوائل الثمانينات. وقال»: Amesh Adalja إن الأمراض المعدية التي تتسبب في أكبر الخسائر البشرية في الوقت الحالي هي فيروس نقص المناعة البشرية «.

وقد استطاعت الأدوية القوية المضادة للفيروسات أن تجعل الشخص المصاب بإمكانه العيش لسنوات مع فيروس نقص المناعة البشرية. لكّن المرض لا يزال يدمر العديد من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، حيث تحدث 95 ٪ من الإصابات الجديدة بفيروس نقص المناعة البشرية. وما يقرب من 1 من كل 25 بالغًا في المنطقة الأفريقية لمنظمة الصحة العالمية هو مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية، وهو ما يمثل أكثر من ثلثي الأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية في جميع أنحاء العالم.

Smallpox

في عام 1980، أعلنت منظمة الصحة العالمية خلو العالم من مرض الجدري. ولكن قبل ذلك، حارب البشر الجدري لآلاف السنين، وقتل المرض حوالي 1 من كل 3 من المصابين به. وترك المرض للناجين آثارًا عميقة ودائمة وعمى في أغلب الأحيان.

كانت معدلات الوفيات أعلى بكثير في السكان خارج أوروبا; حيث كان الناس على اتصال قليل بالفيروس قبل أن يأتي الزائرون به إلى مناطقهم. على سبيل المثال، يقدر المؤرخون أن 90 ٪ من السكان الأصليين للأمريكيتين ماتوا بسبب الجدري الذي قدمه المستكشفون الأوروبيون. في القرن العشرين وحده، قتل الجدري 300 مليون شخص. وكان السكان الأصليين للأمريكيتين ضحايا لما كان على الأرجح أحد أولى حلقات الحرب البيولوجية.

قال(Amesh Adalja):- «لقد كان شيئًا يحمل عبئًا كبيرًا على كوكب الأرض، ليس فقط الموت بل العمى أيضًا، وهذا ما دفع الحملة التابعة لمنظمة الصحة العالمية لاستئصال الفيروس من على كوكب الأرض».

Hantavirus

حظيت متلازمة فيروس الرئة Hantavirus (HPS) باهتمام واسع لأول مرة في الولايات المتحدة في عام 1993، عندما توفي young Navajo man) )-ترمز للسكان الأصليين للأمريكيتين- وخطيبته الذين يعيشون في منطقة (فور كورنرز) بالولايات المتحدة في غضون أيامٍ من تطور في ضيق التنفس الّذي أصابهم. بعد بضعة أشهر، عزلت السلطات الصحية فيروس Hantavirus من فأر الأيل-نوع من الفئران- الذي يعيش في منزل أحد المصابين. أصيب أكثر من 600 شخص في الولايات المتحدة حتى الآن بفيروس HPS، وتوفي 36 ٪ من المرضى، وفقًا لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها((CDC.

لا ينتقل الفيروس من شخصٍ إلى آخر، بل يصاب الناس بالمرض بشكل رئيسي عن طريق التعرض لروث أو بول أو لعاب الفئران المصابة. وبشكل أقل عن طريق لدغة من فأرٍ مصاب.

Influenza

ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، سيموت ما يصل إلى 500000 شخص حول العالم خلال موسم الأنفلونزا المعتاد. ولكن في بعض الأحيان، عندما تظهر سلالة جديدة من الإنفلونزا، يؤدي الوباء إلى انتشارٍ أسرعٍ للمرض، وفي كثيٍر من الأحيان، يؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات.

بدأت جائحة الإنفلونزا الأكثر فتكًا في التاريخ، والّذي يطلق عليه الإنفلونزا الإسبانية، في عام 1918 ومرض ما يصل إلى 40 ٪ من سكانِ العالم، مما أسفر عن مقتل ما يقدر بنحو 50 مليون شخص.

وقال :(Elke Muhlberger) » أعتقد أنه من الممكن أن يحدث شيء مثل تفشي إنفلونزا عام 1918 مرةً أخرى. وإذا وجدت سلالة جديدة من الإنفلونزا طريقها إلى البشر، ويمكن أن تنتقل بسهولة بين البشر، وتتسبب في مرض شديد; فسوف تكون لدينا مشكلةٌ كبيرة».

SARS-CoV

ذكرت منظمة الصحة العالمية ان الفيروس الذي يسبب متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد (سارس) ظهر لأول مرة في عام 2002 في مقاطعة (Guangdong )بجنوب الصين. من المحتمل أن الفيروس قد ظهر في الخفافيش في البداية ، ثم قفز إلى ثدييات ليلية تسمى الزباد قبل أن يصيب البشر في النهاية. بعد التسبب في تفشي المرض في الصين ، انتشر السارس إلى 26 دولة حول العالم ، وأصاب أكثر من 8000 شخص وقتل أكثر من 770 على مدار عامين.

يتسبب المرض في الحمى والقشعريرة وأوجاع الجسم بشكل عام، وغالبًا ما يتطور إلى الالتهاب الرئوي ، وهي حالة شديدة تصاب فيها الرئتان بالتهاب وتملأ بالقيح(إفرازات جسمية). يقدر معدل وفيات السارس بـ 9.6٪ . وحتى الآن ، لا يوجد علاج أو لقاح معتمد. ومع ذلك ، لم يتم الإبلاغ عن حالات سارس جديدة منذ أوائل القرن الحالي أي منذ آخر تفشي له وفقا لمركز السيطرة على الأمراض.

SARS-CoV-2

ينتمي SARS-CoV-2 إلى نفس المجموعة الكبيرة من الفيروسات مثل فيروس SARS ، المعروفة باسم الفيروسات التاجية ، وتم تحديده لأول مرة في ديسمبر 2019 في مدينة ووهان الصينية. من المحتمل أن يكون الفيروس قد نشأ في الخفافيش ، مثل SARS-CoV ، ومر عبر عائل وسيط قبل إصابة الإنسان.

منذ ظهوره، أصاب الفيروس عشرات الآلاف من الناس في الصين وآلاف الآخرين في جميع أنحاء العالم. وقد أدى التفشي المستمر إلى إجراء الحجر الصحي الشامل في ووهان والمدن المجاورة، وفرض قيودًا على السفر من وإلى البلدان المتضررة، وجهد عالمي لتطوير التشخيص والعلاجات واللقاحات.

المرض الذي يسببه فيروس SARS-CoV-2، يسمى COVID-19، ويقدر معدل الوفيات جراء الإصابة بنحو 2.3 ٪. ولكنه يبدو أن الأشخاص الأكبر سنًا أو الذين يعانون من حالات صحية كامنة هم الأكثر عرضة لخطر الإصابة بمرض شديد أو مضاعفات نتيجة الإصابة. تشمل الأعراض الشائعة الحمى والسعال الجاف وضيق التنفس، ويمكن أن يتطور المرض إلى الالتهاب الرئوي في الحالات الشديدة.

MERS-CoV

أحدث الفيروس الذي يسبب متلازمة الجهاز التنفسي في الشرق الأوسط ، تفشي وبائي في المملكة العربية السعودية في عام 2012 وآخر في كوريا الجنوبية في عام 2015. ينتمي الفيروس إلى نفس مجموعة الفيروسات مثل SARS-CoV وSARS-CoV-2 ، ومن المحتمل أنها نشأت في الخفافيش أيضًا. وقد أصاب المرض الإبل قبل أن ينتقل إلى الإنسان ويسبب الحمى والسعال وضيق التنفس لدى المصابين.

اعتبرت الخفافيش والجمال خزانًا حيوانيًا للفيروس، لكن المنظمة العالمية لصحة الحيوان (OIE) أعلنت أنه: » لا يوجد حاليًا دليل قوي على أن الإبل مصدرًا للإصابة بحالات الإصابة بفيروس كورونا».

وكان قد تم اكتشاف الفيروس لأول مرة بتاريخ 24 سبتمبر عام 2012 بجدة في السعودية على يد الدكتور المصري المتخصص في علم الفيروسات علي محمد زكي.

غالبًا ما يتطور فيروس كورونا المسبب لمتلازمة الالتهاب الرئوي إلى الالتهاب الرئوي الحاد، ويقدر معدل الوفيات بين 30٪ و40٪ ، مما يجعله أكثر الأمراض القاتلة المعروفة الّتي قفزت من الحيوانات إلى البشر. كما هو الحال مع SARS-CoV و.SARS-CoV-2 ليس لدى MERS علاجات أو لقاحات معتمدة.

وفي النهاية نريد أن نؤكد على حقيقة أن البشر يحاربون الفيروسات منذ أن تطورت أنواعنا حتى شكلها الحديث. فبالنسبة لبعض الأمراض الفيروسية ، سمحت لنا اللقاحات والأدوية المضادة للفيروسات بمنع انتشار العدوى على نطاقٍ واسع; وساعدت المرضى على التعافي، وهذا بالنسبة لمرض واحد - الجدري - تمكنا من القضاء عليه ، وتخليص العالم من حالات جديدة.

لكننا ما زلنا بعيدين كل البعد عن الفوز في تلك المعركة.

References

1. Overview of Viruses | Boundless Microbiology [Internet]. [cited 2020 May 25]. Available from: https://courses.lumenlearning.com/boundless-microbiology/chapter/overview-of-viruses/

2. There are more viruses than stars in the universe. Why do only some infect us? [Internet]. [cited 2020 May 25]. Available from: https://www.nationalgeographic.com/science/2020/04/factors-allow-viruses-infect-humans-coronavirus/

3. Definition of Rehydration [Internet]. [cited 2020 May 25]. Available from: https://www.medicinenet.com/script/main/art.asp?articlekey=31152

4. Patterson KB, Runge T. Smallpox and the Native American. Vol. 323, American Journal of the Medical Sciences. Lippincott Williams and Wilkins; 2002. p. 216–22.