تكثر الشّكاوى في الآونة الأخيرة حول تدنّي المستوى الأخلاقيّ بحدّة خصوصا لدى فئة الشّباب - وعن بلدي المغرب أتحدّث - ولْيَقِسْ غيري ما سأذكره على بلده أو مجتمعه إن تحقّق له ذلك - فحسبي ما أعيشه، وما أسمعه.

لقد قلّت مظاهر الاحترام بشكل مخيف ومهول جدّا، فحلّ محلَّ الحياء والعفّة الجراءةُ والبذاءة، وتطاول الصّغير على الكبير، وطغى الأبناء على الآباء، وتجبّر الطّلاب على الأساتذة، وتعالت الزّوجات على الأزواج، وأكل القويّ الضّعيف، إلا من رحم الله تعالى وعصم.

فانقلبت الموازين، واختلّت النُّظُم والقواعد، ودقّ ناقوس الخطر، وعمّ الاضطراب والتّسيّب، والأخطر والأخوف قادم في ما هو آت إن لم يتدارك أهل الشّأن أنفسهم، ويتفقّد أولو الأمر وأصحاب المسؤولية أحوالهم ورعاياهم بالتّربية والتّأديب، فاللين يسبق الشّدة، والحكمة أولى من الغلظة، وقبل الزّجر ينبغي التّعليم، وإقامة الحجّة، ورفع الجهل عن المخالفين للنّظام العام والقواعد الشّرعية والأخلاقية {ليَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ}.

ومن مظاهر التّسيّب: انتشار المخدّرات بكثرة في صفوف المراهقين والشّباب اليافع، وتفشّي الجهل بأركان الإيمان وقواعد الإسلام، فهان تعظيم الخالق سبحانه والشّريعة في القلوب، وانعدم مبدأ الحلال والحرام في الأذهان، فارتفع منسوب الجريمة، ورخصت الدّماء، وكثرت الأمراض: من أحقاد، واكتئاب، وحسد، وغلّ، وحب الانتقام، وظهر الإلحاد والعبثية، فتجرأ البعض على الزّندقة، والشّرك، والانتحار، والصّنف الآخر أقبل على الشّهوات المحرّمة، والمخالفة للفطرة من: زنا، وشذوذ، ومعاكسة، وهلّم جرّا من الآفات، والله تعالى أسأل أن يعافينا ويرحمنا جميعا.

فما أسباب هذه الأزمة الجاثمة؟ ومن المسؤول الرّئيس عن هذا الوضع الكارثي؟ وما طرق ووسائل علاج هذه الآفة أو الحدّ من خطورتها وانتشارها؟

من الأسباب المشتهرة  على الألسنة: ضعف التّربية وسُوءُها، والتّفريط الحاصل من قبل الوالدين تُجاة أبنائهم في مرحلة الصّغر، والاكتفاء بالرّعاية دون التّوجيه والتّأديب، فيتركون الأبناء وشأنهم، يتلقون تربيتهم وسلوكهم من الهاتف، ووسائل التّواصل الاجتماعي، ومنصّات اليوتيوب، والشّارع العام، فإن خيرًا فخيرٌ، وإن شرّا فشرٌّ، حيث هنالك الغثّ والسّمين، والدّاء والدّواء، والعسل والسُّمُّ الزُّعاف، وكذا تفريط المدرّسين والمرّبين، وتقصيرهم في واجبهم الأساس تُجاه أبناء هذه الأمة المكلومة، فصار هدفهم التّسارع من أجل ختم المقرّرات، والمسارعة من أجل نيل الإجازات، والقتال على الحقوق ورفع الرّواتب، والضّغط على الجهات بأقصى السبل والآليات: بكثرة المظاهرات، والتّغيبات،  مع إهمال شبه تامّ لأداء الواجبات، والقيام بدورهم الرّئيس المنوط بهم، وهو نشر الوعي، والتّربية، والتّكوين، وترسيخ القيم الحميدة في نفوس وقلوب أبنائنا وفلذات أكبادنا إلا من رحم الله تعالى وأكرم، ودونكم مستويات الطّلبة، سواء العلمية أو الأخلاقية، ففاقد الشيء لا يعطيه، والعبرة بالنّتائج والخواتيم، لا بالأقوال والخُطَب.

ثم من الأسباب الخفيّة عن العامّة، والمؤثرة في هذا الوضع بشدّة: الجهلُ وتفاقمه الكبير، سواء من قبل الآباء أو الأبناء، أو من قبل بعض المتصدّرين لدور التّربية والتكوين أنفسهم، الذين سبيلهم الوساطات، والغشُ لنيل الرُّتب والمناصب.

فتجد غالبية الأسر تجهل المعلوم من الدّين بالضّرورة، وتغيب عنها أساسيات ما يصلح به دينها ودنياها، فتشاهد الجهل بأركان الدّين، وأولويات التّربية ومبادئها، وقصارى جهدها: التّربية بالعقاب والتّهديد، وهذا ما قد يزيد أحيانا الطّين بلّة، ويفسد من حيث أريد به الإصلاح، وترى فيمن ينبغي أن يكونوا قدوة لأبنائهم - فالطفل على ما عوّدته تعوّد - التّفريطَ في الواجبات الديّنية من ترك الصّلاة، وارتكاب المحرّمات، والتّلفّظ بالكلام النّابي، والسّباب والشّتائم لأتفه الأسباب، والّلبيب تكفيه الإشارة.

إن المسؤوليات متعدّدة المشارب، والرُّتَب، والمواقع، والتّخصصات تجاه هذا الوضع المبكي، فولاة الأمور مسؤولون عن التّربية، والتّعليم، وصلاح الأوضاع الاجتماعية، والاقتصادية، والقانونية، وغيرها ممّا هو تحت صلاحيتهم، وهم يقومون بمجهودات محترمة وملموسة - جزاهم الله خيرا - لكن ينبغي مضاعفة الجهد، والسّهر على تطبيق التّوصيات على أرض الواقع، ومراقبة ومتابعة النُّواب عن التنزيل، ومحاسبتهم، والأسرة مسؤولة في البيت، وخارجه، بالمتابعة، والمراقبة، والسؤال عن الأبناء، والاجتهاد في نصحهم، وإرشادهم لطريق الخير، والمدرسة مسؤولة، والإعلام مسؤول، وأنا كذلك مسؤول، فكلّكم راع، وكلّكم مسؤول عن رعيّته، كما أخبر الحبيب المصطفى عليه الصّلاة والسّلام، وكذا كلّ من ينظر إليه بعين القدوة والاقتداء فهو مسؤول أمام الله تعالى، وأمام عباده تُجاه سلوكاته، وأقواله، وأفعاله، ثم تُجاه ما يظهر به أمام من ينظرون إليه بعين الإكبار، والإجلال، والقدوة، فعليه أن يحفظ محتواه، وتصّرفاته، وجميع حركاته عمّا يؤثر في الجمهور المتلقي سلبًا، أو يفسد عليه عقيدته وأخلاقه، وعلى الوجه الأخصّ مرحلة النشء الصّغار، وفئة المراهقين التي يغلب عليها التقليد الأعمى، وكثرة النّزوات، والتّقلبات، وتغليب العواطف على العقل سوى من وفّقه الله، وأنار بصيرته.

ومن طرق ووسائل الإصلاح المتوفّرة والمقدور عليها بفضل الله وكرمه، شرط الكفاءة، وضرورة اختيارها، والحرص عليها، ووضعها في محلّها ومكانها المناسب لها، فيختار الأب لبناته، ويخترن هنّ لأنفسهنّ الأزواج الصّالحين المصلحين، وكذا الأمر نفسه في الطّرف المقابل، فيختار الزّوج لنفسه الأمّ، والزّوجة الصّالحة، التي تعينه على فعل الخيرات، واجتناب المنكرات، فمن صلاح الأبناء صلاح الآباء، ولنكسر عنّا التّصنيفات العقيمة، والمظاهر المادّية الصّرفة التي تكرّس عصبيات الطّبقية، والطّمع، والجاه، وحصر الشّريك في المعايير الشّكلية الظاهرية من جمال، وقوام، وغيرها من الأطماع إن تعارضت مع الدّين، وكانت هي المعيار الوحيد في الاختيار، فالدّين أساس الصّلاح والإصلاح، وهو الخير كلّه، ومتى التزمنا بأحكامه نلنا خيري الدّنيا والأخرة وحصّلنا العزّة في الدّارين، وعلى قدر ابتعادنا عنه على قدر قهرنا وذلّتنا وانهزامنا وانكباب الأزمات والمصائب علينا، وبضدّها تتمايز الأشياء.

وكذلك من الوسائل إصلاح المنظومة التعليمية بأكملها، واشتراط الكفاءة العلمية والأخلاقية فيمن يتصدّر لهذا الأمر الجلل، ألا وهو تعليم أبناء المسلمين، ووضع قوانين صارمة في وجه كلّ مخالف للمواثيق المؤطّرة لسير العملية التّعليمية التّعلّمية بنجاح، وطرد الحسابات الضّيقة بين أصحاب الشّأن والمسيّرين لهذا المجال، وجمع الكلمة، وتغليب مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، وفتح المجال للمصلحين من العُلماء، والخبراء التّربويين، كلّ بحسب مجاله، وتخصّصه لصناعة المقررات التّربوية والعلمية من أجل بناء إنسان؛ نافع؛ صالح لدينه، ولمجتمعه وبلاده، ولتحقيق هذا الغرض ينبغي محاربة الخروقات والاختلالات الحاصلة في هذا القطاع من: غشّ، ورشاوى، وزبونية خلال انتقاء وتوظيف الأطر الإدارية والتربوية، ووضع لجان المراقبة الصّارمة لأعمالهم، وأنشطتهم طيلة مسارهم المهني دون تلكأ أو تقصير، وسنّ معايير علمية دقيقة، وقوانين صلبة من أجل سدّ ذريعة الفساد، وانتقاء أجود الكوادر والموارد البشرية.

وأخيرا إصلاح مؤسّسة الإعلام، ومحاربة التّفاهة، وتقنين استعمال وسائل التّواصل الاجتماعي، وفرض رقابة على المحتوى الموجّه لفئة الأطفال والمراهقين بشكل أخصّ، وتنقيته من الشّوائب، والمظاهر الأخلاقية الفاسدة، وتأطيره بالدّين والعلم الصّحيح، وكذا وسائل الترفيه والاسترواح، وتأطيرها بما هو مباح، وفتح الباب أمام القدوات، والعلماء، والمربّين، والمصلحين، وأهل الخبرة والمعرفة، وتمكينهم من المنابر الرّسمية، وغيرها من أجل نشر الوعي، والتّربية الصّحيحة، والقضاء على الجهل، والخُرافة، والتّفاهة، والفساد بشتّى أنواعه، وإرجاع الهيبة للمؤسّسات الدّينية من دور القرآن، والكتاتيب القرآنية، والجمعيات العلمية والثّقافية، وتوفير الدّعم لها من أجل تأطير الشّباب نحو الخير وأسبابه، وتحذيرهم من مظاهر الانحراف، والإدمان، والغُلوّ، والتّطرّف، وغيرها من المُهْلِكات، وبغير هذه الثّورة الإصلاحية في جميع هذه الأقسام، لن نعالج هذه الأزمة، ولن تقوم لنا قائمة، ما دمنا مصرّين على حالنا بالتّقاعس، وكثرة الكلام دون عمل، والتّوصيف البارد، وتبادل التُّهم، ووضع المعاذير والعقبات، وغيرها من كلام الفاشلين والمثبّطين، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، والله تعالى الموفقّ للصواب وحده.

حرّره: أيوب بلبل.