التّأليف هو ضمّ عدّة مسائل لعلم ما أو مجال معيّن في كتاب واحد، وهو صناعة كتابية نفيسة، وموهبة ربّانية شريفة ومنيفة، تحتاج لشروط وآداب لإتقانها والإبداع فيها، ولهذا التّأليف أغراض ذكرها أهل العلم من بينها إزالة الغموض عن علم من العلوم، أو مبحث من المباحث، أو شرح مغلق، أو اختصار مطوّل، أو جمع مُفترق، وغيرها من الأغراض التّأليفية، كما له مراحل معروفة ينهجها الكاتب خلال فترة تصنيفه حيث نجملها في الأمور الآتية:

1 اختيار فكرة الموضوع

لا بدّ للمؤلف قبل الشّروع في تأليف كتابه من فكرة عامّة وتصّور شامل عن الموضوع المراد الكتابة فيه، فالحكم عن الشّيء فرع تصوّره كما يقول المناطقة.

وهذه الفكرة تنشأ من اطلاع الكاتب نفسِه على أصول وفروع مجاله، أو المجال الذي يريد التّأليف فيه، فكلّما كان زاد الكاتب وافرا من حيث المطالعةُ، كان رصيده الفكري والمعرفي غنيّا ومثمرا.

فليس كلّ من صنّف صنّف، وإنّما التّأليفُ إبداع وإمتاع يسدّ به الكاتب فراغا في المكتبة، ويجيب به عن سؤال حيّره أو حيّر غيره من الجمهور القارئ، أمّا الكتابة من أجل الكتابة فهي مجرّد إزهاق للمداد، ونسخ لا فائدة مرجوّة منه إلا من حيث توفيرُ النّسخ الاحتياطية، بينا الكتابة المؤثرة تحتاج لاستفراغ وسع وجهد جهيد، هذا الجهد ينشأ من فكرة مبتكرة يجتهد الكاتب في إخراجها لأرض الواقع على شكل تحفة إبداعية نافعة.

2 وضع التّصميم الأوّلي للمؤلف

بعد اقتراح فكرة الموضوع، يأتي الدّور على اقتراح تصميم أوّلي للمؤلَّف، حيث يعتبرها الكاتب خطّة عمل يسير عليها في نهج التّأليف للكتاب.

هذه الخِطّة أو التّصميم قابلان للتّغيير والتعديل، كلّما قطع الكاتب أشواطا في كتابه، والغرض من التّصميم تنظيم محتوى الكتاب، وتيسير طريقة التّصنيف، وهو مساعد خصوصا للكتّاب المبتدئين في ضبط المحتوى وتقسيمه إلى فصول وأبواب، والتّحكّم في مادّته، وقد يكون أحيانا ضروريّا خصوصا في التّصنيفات الأكاديميّة والعلمية المتخصّصة.

3 ضبط مصادر الموضوع

لكل مجال مصادره المعروفة، إذ يعمل الكاتب جاهدا على الإحاطة بها، ومعرفتها، وضبطها حتّى يكون مؤلَّفه ذا موثوقيّة في مجاله.

فمصادر العلم أو الفنّ تحصر لك القواعد والأساسيّات التي تبني عليها في استخراج الفروع والجزئيات، وأحيانا قد تكون الكتابة مصدرها الرّئيس علوم الآلة مثل: الكتابة الأدبية، فزاد المصنّف فيها هو علوم اللغة واللسان، والتّراث الهائل من المنثور والمنظوم، لذلك في أيّ مجال لا بد لك من معرفة مصادره وأصوله حتّى تنضبط لك طرائق التأليف ومناهج التصنيف، وكلّما كان ضبطك للمصادر أتمّ، كلّما كان قلمك أتقن وأرصن في التّحرير والعرض.

4 تحرير الموضوع

هذه المرحلة هي لبّ لباب التأليف، وقلبه النّابض، وبدونها لا يساوي مُؤَلّفك شيئا، وسيكون بياضا في بياض، فتحرير الموضوع معناه محتوى الكتاب، والقسط الأعظم منه بعد مقدّمته، وخاتمته.

ولا بد عند التّحرير من مراعاة القواعد العامة لذلك، ومن بينها: أصالة المحتوى وجودته، واعتماد لغة فصيحة واضحة، دون ركاكة أو تمشدق، بحيث يفهما العام والخاصّ، ثم اعتماد مصطلحات وألفاظ العلم المصنّف فيه، فلكلّ فنّ مصطلحاته الخاصّة، إضافة إلى تعزيز الأقوال والآراء بالشّواهد الصّحيحة، والمتلقّاة بالقبول بُغية إضفاء صبغة الوثوقية للكتاب، والابتعاد عن الأقوال والآراء الشّاذة، أو الألفاظ القبيحة والمخالفة للأخلاق والآداب العامّة، ثم مراعاة مستوى المخاطبين ومقدار أفهامهم، فكلّ هذه من شروط وأساليب التأليف المعتمدة، فينبغي اعتبارها واعتمادها أثناء التحرير.

كما على الكاتب مراعاة الجانب الكمّي للفصول والأبواب، بحيث تكون متقاربة ومتناسقة، فتعمد إلى جعل كتابك على نظام متناسق، بعضه يكمّل بعضا، لا أن تنهج منهج التنافر والتّضاد، فتنفّر القارئ وتبعثه على الكلل والملال.

5 مقدّمة الكتاب

غالبا ما يلجأ المؤلّفون لتدوين دواعي التأليف في مقدمة الكتاب والمنهج المتّبع ضمنه، كأنّها خارطة طريق القارئ في رحلته لقراءة الكتاب، وهناك من يبتكر أساليب تشويقية في عرض المقدمة، إذ يختلف ذلك حسب نهج المؤلف وطبيعة الكتاب.

والمقدّمة عادة هي توطئة توضّح فيها فكرة الكتاب، وتمهّد فيها لمحتواه بطريقة إبداعيّة بعيدة عن التَّكرار والتّقليد.

6 خاتمة الكتاب

تتميّز الخاتمة باستعراض أهمّ ما توصّل إليه المؤلّف من نتائج وتوصيات، أو بإبراز أحكامه وانطباعاته عن موضوع الكتاب، أو بطرح رؤية مآلية عن آفاق الموضوع وتفاريعه، أو سرد لنهاية قصّة ما، فيختلف ذلك حسب مجال المؤلف وموضوع كتابه، وجنسه الأدبي أو العلمي، والأهمّ في ذلك الحفاظ على نَفَس ونسق الكتاب من أوّله لآخره، حتّى لا يشعر القارئ بضعف الختام مقارنة بصدر الكتاب، أو استفراغ الجهد في الشّطر الأوّل من الكتاب والشّعور بالتّعب في الشّطر الأخير منه، فكلّ هذه تنبيهات ينبغي اعتبارها أثناء التأليف، وأخذ الوقت الكافي لإنجاز عمل متقَن يستحقّ القراءة والنّشر.

7 التّدقيق اللغوي لمتن الكتاب

هذه من أصعب المراحل وأشدها ثقلا على الكتّاب، لذلك هناك من يسندها لغيره من ذوي التّخصص، فالكتاب المليئ بالأخطاء وأحيانا القاتلة منها، مدعاة للنّفور والرّفض سواء من دور النّشر، أو من القرّاء والجمهور، لذلك ينبغي الحرص التّام على سلامة النّص من الأخطاء اللغوية والإملائية قبل تسليم النّسخة للنّاشر أو النّشر ذاتيا، ولي في ذلك قصّةٌ مع كتابي الأوّل "كيف أقضي على أخطبوط الفشل؟" إذ قمت بتدقيقه لغويا لأكثرَ من ستّ مرّات، حتّى تأكّدت تماما من خلّوه عن الأخطاء حسب ما بلغه علمي وجهدي، ثم بعد نشره إلكترونيّا ظهر لي خطآن، الأوّل لغويّ ظهر لي مع المطالعة، والثّاني نحويّ حدث بسبب سهو، وقد صحّحتهما في النّسخة الأصل، واستفدت كثيرا من هذه التّجربة البَدائية في عالم التّصنيف.

8 التّوثيق

وهي آخر مرحلة ينهجها الكاتب إن كان موضوعه ممّن يستوجب ذلك، فيوثّق الأدلة، والأقوال، والنّقول، التي اعتمدها أثناء بحثه، وعليه أن يحرص على إيراد الأقوال من مصادرها الأصل، سواء المطبوعة منها أو المخطوطة، إلا إن تعذّر عليه ذلك، فلينقل بالواسطة، وليعتمد في ذلك على أهل العلم الموثوقين في ذلك الفنّ.

9 البحث عن ناشر

بعد فرحة الانتهاء من تأليف الكتاب بالنّسبة للكاتب المبتدئ، وسعادته وانتشائه بإخراج أوّل عمل للوجود، تأتي رحلة البحث عن ناشر للمصّنَف، وهي رحلة شاقّة تستوجب صبرا، وجَلَدا، وطولَ بحثٍ دون يأس أو قنوط.

فنظرة النّاشرين ليست كنظرة المؤلّفين، فالأولى نظرة تجاريّة اقتصاديّة سوى ما ندر وخرج عن المألوف، والثانية نظرة علمية وثقافية بالدّرجة الأولى، فقد ينظر المؤلّف بعد الجهد المبذول أنّ كتابه أولى بالنّشر، وأحقّ بالطّبع في الأسواق والمعارض، وأولى بالعناية والاهتمام من القرّاء والمختصّين.

بينما للنّاشر نظرةٌ ربحيّةٌ في الدّرجة الأولى من الاهتمام، فهو ينظر لما سيحقّقه هذا الكتاب من أرباح على المدى المتوسّط والبعيد، ويقوم باستقراء سوق القّراء، وهل للكتاب صدى قبول؟ ومن هو هذا الكاتب الذي سينشر له؟ أله شهرة وصيت أم هو مغمور مجهول؟

فمن دواعي القبول توفّر الكاتب على متابعين وجمهور قادر على شراء الكتاب، وهو ما ينعدم في الكاتب المبتدئ الذي يأمل أن يحصل على جمهور من خلال مؤَلّفه الجديد، سوى إن كان ذا صيت في المحتوى المرئي وله جمهور عريض على وسائل التّواصل الاجتماعي فذاك شأن آخر، وحديثي هنا عن المحتوى الهادف لا غير.

وهنا لا نعمّم القول، فهناك دور النّشر تقدّم الجودة العلمية المنشودة ابتداءً دون نظر إلى حيثيات الرّبح بنِسَبٍ كبيرة، بل ترجّح الجودة العلمية، والإضافة التي سيقدّمها هذا الكتاب لمجاله إن تمّ نشره، لكن للأسف هؤلاء قلّة مقارنة بالدّور التّجارية الأخرى حسب رأيي القاصر.

10 الطّبع والنّشر المدفوع

هناك صنف من الكُتَّاب يختار الطّبع والنّشر المدفوعين، هروبا من ردود الرّفض المتتالية، فيلجأ لدفع النّسخ التّجريبية مثل: طبع 1000 نسخة، أو أقلّ، أو أكثر حسب ما تحدّد إدارة دار النّشر، وهو حلّ بديل إلا أنّه غير متاح للجميع، فغالب الكُتّاب المبتدئين من طلبة العلم أو ممّن لا دخل لهم، فيستحيل لديهم إيجاد هذا الحل كبديل عن الأوّل.

11 النّشر الإلكتروني

يبقى النّشر الإلكترونيّ آخرَ حلّ للكاتب المبتدئ لنشر كتابه الأوّل، ولهذا الحلّ سلبيّاته كما له إيجابيّاته، فمن سلبيّاته صعوبة التّسويق، والوصول إلى الفئة المستهدفة لشراء واقتناء الكتاب، كما أنّ ثقافة الشّراء عبر الإنترنت في العالم العربي ما زالت تسير بوثيرة بطيئة، وهو ما يصعّب من عملية ترويج الكتاب والرّبح منه.

هذا لأنّ دار النّشر تتكلّف بجميع مراحل تسويق الكتاب عبر أوسع نطاق، ولها آليات وبرامج ومتخصّصون للقيام بهذه المهمّة، علاوة على قاعدة جماهيرية ضخمة إن كانت مشهورة، وهذا غير متوفّر للنّاشر الذّاتيّ الإلكترونيّ، إلا أن يقوم بالدّفع للحصول على هذه الخدمات إلكترونيّا.

أمّا إيجابياته فهو التّحرر من القيود الصّارمة التي تفرضها بعض دور النّشر، وإمكانية النّشر المجانيّ، علما أنّ الجودة والدّقة في التصنيف لا انفكاك عنها في أيّ حال من الأحوال.

12 الاستمرار في المحاولة

لا يجعل الكاتب الانطباعات السّلبية وردود الرّفض لنشر كتابه سببا في الانقطاع وترك الكتابة، بل عليه أن يجعل ذلك دافعا له للمواصلة والاستمرار، وفرض نفسه بأسلوبه وجودة تصنيفه، ولا يجعل الرّبحَ أوّل أهدافه، بل عليه أن يحرص على كسب وتحصيل اسم علميّ وكتابيّ، ينافس به في سوق التّصنيف، ومجال التّأليف.

ويتأتّى هذا بتَكرار المحاولة، والغزارة في الإنتاج، فينتج كتابا أولا، وثانيا، وثالثا، مع مراعاة الجودة وتقديم الفائدة، هكذا سيشتهر اسمه، ويعرف وسمه في مجاله، فتقبل عليه دور النّشر وحدها تترى دون طلب منه في عملية نشر الكتاب.

وتكون له نسبُ قَبولٍ محترمة، لأنّه صار مساهما في مجال تخصّصه، وصار له إقبال على إنتاجاته، وكوّن قاعدةً جماهيريّةً محترمة تغري بالرّبح والكسب للطّرفين، فهكذا تكون الاستفادة متبادلة، والرّبح مضمون.

13 تجربتي في التأليف

أحدّثكم أحبابي في الله عن تجربتي في التّأليف، عَلَّها تفيد أحدَكم، ويجد فيها تحفيزا أو يأخذ منها عبرة.

أتتني فكرة تصنيف كُتَيِّب في مجال تطوير الذّات وتحسين القدرات صيف 2019 للميلاد، بعد مطالعتي لقدر محترم من الكتب في هذا المجال، ثم راودتني هذه الفكرة فترة بعد فترة، إلى أن قرّرت تسطيرها على أرض الواقع، فشرعت في التّصنيف باعتماد نظام المحاور على فترات غير منتظمة لكنّها متقاربة...

انظر مشكورا تتمّة المقال عند أوّل تعليق