ما أضيق العيش لولا صُحبة الفقرا" 

كانت دائمًا جملة تتردد بصوت شيخنا أنس السلطان، وكنت حين اسمعها أُسقطها على عملي كمتطوعة في منطقة الدويقة.. 

بدأت هُناك كـ مُعلمة لنور البيان في فصول محو الأمية -ولم أدرك حينها أنني أنا الأُمية-.. على غير عادتي، وقفت اتوسط الطّلاب، كبيرات سِن وكثيراتُ شغفٍ، ترى الواحدة منهم حين تأتي لتلقي الدرس عن طيب نفسٍ، وتحاول بـ جلّ طاقتها لسماع الكلمة، وكتابتها، ويتنافسون فيما بينهم عن أكثرهم تفوقًا في درجة الإملاء. 

كنت أتوقف لأتأمل كيف يمكن لشخص فاته قطار العِلم التقليدي، وأسس لنفسه حياة طويلة، أن يقرر برغبة كاملة أن يبدأ طريقًا جديدًا، لا يعلم إلى أي الطرق ذاهب هو.. ولكنّه مستمتع. 

كانت إحداهما توقفنا طويلًا، لتتلوا علينا وِردها القُرآني، وكانت تُخطئ في حركة، أو حُكم في التجويد.. ثم تُعيد لتصحح لنفسها بنفس نشاط الحفظ. 

ونفسها حين ذاهبنا إليها بعد غياب، لنقول لها: ستبدأين معنا فصل الابتدائية.. كي تكملي ما بدأتي، فقالت: "أي حاجة المهم امحي الجهل اللي جوايا".. وهذه ربما أصدق كلمة مرّت عليّ، جعلتني حينها أمسك بكل تلابيب نفسي، ومنعي من تبديل الطرق أو الرحيل. 

البسطاء أصدق أهل الله في الطّلب.. مُدركين نعم الله عليهم، وأنه إن منحهم شيء فلابد لهم من احترام الممنوح.. وحُسن ضيافته ومعاملته. 

كأن تأتي أم لطفلين صغيري السن، كثيري الشغب والبكاء.. تاركة بيتها، وزوجها، طفلة على الكتف وآخرٍ تمسك بيده.. لتتعلم، وتعتذر عن الضجة التي يسببها الأولاد، فبكل قلبي أجيب في صمت، أعتذر أنا عن كل قنوط قدمته حين قُدّم لي هذا. 

في مرة حين لم نجد مكانًا لنعمل به.. فتحت لنا سيدة منهم بيتها، ووالله لا أنسى لها هذا، فتحت لنا غرفة تستضيفنا نحن وباقي الدارسين، وقدمت لنا العصائر، وكانت تُلح في تقديم الطعام.. وحين كنا ندعوا لها، كنت ترد دعونا "ده أنتوا اللي ربنا يبارك لكم، ويكرمكم".. أي كرم هذا؟ 

عند مطلع السلم -المتعب جِدًا بالمناسبة- تنقطع أنفاسنا في الصعود، ولكننا بعد نهايته أمام المسجد بالضبط نشعر وكأننا أخيرًا وصلنا.. ليس لمكانٍ مؤقت.. بل أقسم أنني أشعر بالسكينة، وكأنني عشت دهرًا هناك.. الألفة الممنوحة لنا منهم، وكل الامتنان إلينا منهم، وحسن الضيافة، وشدة الكرم.. والدعوات الممنوحة بلا حسابٍ. 

هناك الكثير مما لا يُنسى، ولا يشمله كلام.. بعد أربع سنواتٍ هُناك.. أردد بملء طاقتي، "ما أضيق العيش لولا صحبة الفقرا، هم السلاطين.. والسادات، والأمرا".. وأرى أن كل واحدٍ على وجه البسيطة إن لم يجرب هذا فقد خاب وخسر.. وضيّع على نفسه ما لا يجب ضياعه. 

ولا أنسى الراحة والألفة فيما بيننا في فريقي التطوعي.. شبابٌ لا يجمعهم سوى البذل الكامل، ولو على وقتهم، ودراستهم.. يقدموا أنفسهم بلا تردد؛ لزرع بذورٍ ربما لن يحصدوها بأنفسهم الآن.. ربما لن يرون نبتها، ولكنهم زرعوا. 

نردد على أنفسنا "لأن يهدي الله بِك رجلًا واحدًا، خيرٌ لك من حُمر النعم"، والهداية هنا تأتي من كلمة واحدة، من سلامٍ عابر يلقوه ولا يلقوا له بالًا.. وله في نفس الناس والأطفال عمل كلامٍ طويل.. -الخير في أُمة النبي، إلى قيام الساعة-، الخيرُ فيهم إلى قيامها.