هذه هي الحلقـــ4ــة الرابعة من سلسلة:كتب المذكرات .. لطائف وتعليقات. مأخوذة من كتاب (أربعون عاماً في الحياة العربية والدولية -مذكرات أحمد الشقيري)

.. كتب المذكرات ... أشخاصا يمشون بيننا ... نعيش معهم... نَشُمُّ ما شموا ...ونرتشف مما شربوا... ونأكل ما حصدوا... عقولهم لنا مفتوحة ... تجاربهم بين أيدينا مبثوثة .... نأخذ من خبراتهم ... نستفيد من أخطائهم ... نستقي من حِكَمِهِم ... لهم غُرُم حياتهم ولنا غُنْمها ..نشهد ما شهدوا وإن كنا أمواتا يوم كَتَبوا .. ولعلهم اليوم أمواتا يوم قَرأْنا...عاشَوا وعشنا... ومروا على الحياة ومررنا...ولعلهم رحلوا ونحن عما قريب بهم لاحقون(اللهم إنا نسألك برد العيش بعد الموت) (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ).

هيا بنا ...

من فلاحين إلى نازحين..

... وكانت أياما بهيجة وليالي رائعة قضيناها معززين مكرمين مع الفلاحين من شعبنا الطيب، وقد أصبح الآن كله أو جله شعبا من النازحين واللاجئين ...

من مظاهر عدل الاحتلال النصراني البريطاني ممنوع المسلم أن يحمل سلاحا ويجوز لليهود أن يكونوا معسكرات:

... وصل الخبر فيما بعد إلى حاكم المدينة البريطاني "المستر لويك"، وكان حمل السلاح ممنوعا، وبقي كذلك إلى نهاية الانتداب البريطاني إلاّ على اليهود، فقد كانت السلطات البريطانية تسلحهم وتدربهم على حمل السلاح.... على حين كانت بريطانيا تسلح اليهود وتدربهم على فنون القتال.

قصة ... ماذا لو حملت سلاحا في فلسطين أيام الاحتلال الصليبي البريطاني لها:

... في آخر يوم من الرحلة، وكان التعب قد أخذ منا مأخذه، رأينا المعلم واصف يخرج من جيبه مسدسا ويطلق بضع طلقات في الهواء، ولعله أراد أن يبعث فينا الحمية والعزيمة.

... وصل الخبر فيما بعد إلى حاكم المدينة البريطاني "المستر لويك"، وكان حمل السلاح ممنوعا، وبقي كذلك إلى نهاية الانتداب البريطاني إلاّ على اليهود، فقد كانت السلطات البريطانية تسلحهم وتدربهم على حمل السلاح.

... وقبضت السلطة على المعلم واصف، ودعيت لتأدية الشهادة أمام المستر لويك وأقسمت اليمين ورويت الأمر كما جرى، وحكم على المعلم واصف ستة أشهر بالأشغال الشاقة.

... مسكين المعلم واصف، لقد رأيته مرات يلبس ثياب السجن يعمل في الطرقات ولكنه كان صابرا صامدا، غير منكسر ولا متهالك ...

... ولقد حزنت عليه أياما، وأصبحت أتجنب الطريق الذي يعمل فيه، ولم أكن أدري أن القدر يخبئ للألوف من رجالنا وشبابنا وطلابنا المصير نفسه، أضعافا مضاعفة ... فيسجنوا ويعذبوا لأنهم يحوزون السلاح.

خلايا العسل المدمرة..

... بل لم أكن أدري يومذاك أن اليهود لن يقنعوا بهذا التدريب والتسليح على يد بريطانيا، فقد عملوا بعد ذلك بسنين على تهريب السلاح في صناديق الأسمنت وفي خلايا النحل ..

... أجل إن خلايا النحل لم تكن شهدا ولا عسلا، ولكنها كانت دمارا وقتلا.

من فضلك أخرج ...بيتك للضابط الإنجليزي ...أَلَا تحترم الضيوف..

... إذا كان الاحتلال البريطاني قد شمل فلسطين بأسرها، فقد خصنا نحن آل الشقيري بألوان من وطأته وشدته، وكان أول ما جرى من ذلك أن السلطات العسكرية احتلت بيتنا القائم خارج السور، وطلبت إلينا في يوم أو بعض يوم أن نخليه ليكون مقرا للضباط الإنجليز ، فأسرعنا كل إلى خزانته وحملنا ثيابنا والقليل من متاعنا وغادرنا بيتنا إلى منزلنا القديم بجوار حمام الباشا. وكان منظرا يبعث على الشفقة ونحن خارجون من دارنا نساء وبنات وصبيانا، ولا أقول رجالا فلم يكن بيننا رجل، فقد كان شقيقي الأكبر في السابعة عشرة من عمره.

الأذان وطمأنينة ... وراحة القلب...

وقلوبنا منكسرة لا يخفف من لوعتنا وحزننا إلاّ ذلك الأذان العذب من حولنا يردد مرات ومرات الله أكبر، الله أكبر، وكأنما صيغ هذا الأذان لينزل على قلوبنا السكينة ويبعث فيها الطمأنينة.

الوفاء في أيام الشدة ...

ولقد كنا في حاجة إلى العزاء، فوالدي قد انقطعت أخباره عنا، والحكم اليوم للإنجليز ونحن من جماعة العثمانيين، وأصبح الناس يخشون الاتصال بنا أو الاقتراب منا إلاّ الذين يعرفون معنى الوفاء في أيام الشدة ... وهؤلاء قليلون في كل زمان ...

أثر السمت الحسن على الطالب ...

... ولست أدري ما الذي جذبني إلى مجلس الدرس، مع أن الشيخ الجزار لم يكن على وفاق مع والدي على الدوام، وصرت أحضر الدرس وأستمع إلى النحو والفقه والحديث، وكان رحمه الله حافظا للنصوص، وكان وقاره لا أسلوبه هو الذي يجتذب الناس، وإليه يرجع الفضل فيما حفظته من اللغة والدين.

هل كانت تورية ...ربما مات مسلماً...لأن الأنبياء دينهم واحد وشرائعهم مختلفة ...

كنت أرى بين المصلين رجلا متقدما في السن، يلتفت إليه الناس في صلاته، ولم يكن في الرجل ما يلفت النظر، فقد كان إنسانا عاديا يلبس القمباز والطربوش يصلي كما يصلي الناس، ويدخل المسجد معهم وينصرف معهم.

... وجاورت هذا الرجل غير مرة في الصلاة، أو كنت منه قريبا، وكنت أراه يسجد وكعباه مشققتان شأن كثيرين من فقراء المسلمين ...

... وكان هذا الرجل اسمه "أبو موسى" وسرعان ما عرفت أنه كان يهوديا واعتنق الإسلام أثناء الحرب العالمية الأولى، وظل مسلما بعد الاحتلال البريطاني...

... ومضت بضعة أعوام وأبو موسى مسلم من المسلمين، إلى أن حضرته الوفاة، وخشي الحاكم البريطاني المستر "لويك" أن يختلف اليهود والمسلمون على دفنه، وكان قد عرف أن ابنه موسى وزوجته وأولادهما لا يزالون مقيمين على دينهم اليهودية.

... فأرسل الحاكم البريطاني بعض موظفيه إلى بيت "أبو موسى" ليسألوه أين يريد أن يدفن وعلى أي دين يموت. وفي تمتمة هادئة قال أبي موسى "وهل هنالك أحسن من دين موسى" قالها ولفظ أنفاسه الأخيرة، فمات يهوديا ودفن يهوديا.