العديد منا يسعى إلى أن يكون مدركا لكل ما يحدث في هذه الحياة، يجاهد من أجل فهم كل شيء وأي شيء، فكلنا نسعى جاهدين إلى أن تكبر دائرة معرفتنا، و أن نحيط علما بكل شيء، رغبتنا الكبيرة في فهم تفاصيل الأمور تزداد شراهة كلما ازداد فهمنا ومعرفتنا، فنحن نحلل ونناقش ونفسر الأشياء، لنشبع فضولنا، لكن في الحقيقة هناك العديد من الأشياء التي نقضي عليها أثناء قيامنا بهذا الأمر.

إن طموحنا نحن البشر لا يحده أي شيء، ورغبتنا في معرفة الأمور بشكل أعمق تجعلنا نسبح وسط الكم الهائل من التفاصيل المتعلقة بحياتنا، من أجل فهم كل صغيرة وكبيرة تتعلق بهذه الأخيرة، حيث أننا كلما ازداد إدراكنا ووعينا بالأشياء إلى وتعقد أمر فهمنا لها، وبمعنى آخر كلما عرفنا الأمور على حقيقتها، كلما تغيرت نظرتنا لها، وهذا يقودنا إلى الفهم السلبي لأشياء، والنظر إلى كل ما هو موجود بشكل أكثر سلبية، فعقولنا تتجاوز ما تراه، لأنها دائما تبحث عن ما لا يستطيع الآخرون البحث عنه، وترى ما لن يتمكنوا من رأيته، لأننا نعتقد أننا أكثرا إدراكا ومعرفة منهم، وهذا يؤثر على أساليبنا في العيش، ويفسد لدينا متعة الحياة، لأن التدقيق في الأمور والتعمق في تفاصيلها،يعطيها معنا آخر، فالنظرة العميقة لوردة جميلة تجعلنا نرى أن هذه الوردة ستذبل يوما ما وهذا يفسد متعة النظر إليها، ولنفس السبب نحن نتفادى إنشاء علاقات مع الآخرين لأننا ندرك أن نهاية هذه العلاقات مهما طالت ستحين يوما ما، إنه نوع من النظرة السلبية للأمور، لكنها ناتجة عن خلفية فكرية سببها التعمق في الأمور والبحث عن السبب والنتيجة لكل شيء، فهنا نمتنع عن عيش الحياة بشكل عادي ونرفض أن نترك الحياة تسير على مجراها العادي، نحاول دائما أن نبني فرضيات مسبقة للمواضيع، على أساس أننا نفهم كل شيء، ونعي جميع الأمور التي تحيط بنا، هنا تنتفي لدينا متعة الأشياء، وننظر إلى كل الأمور على أنها مضيعة للوقت إذا ما تعلقنا بها أكثر، ما دامت غير أبدية، والشيء الذي لا يدوم لا يستحق أن نمنحه وقتنا ومشاعرنا وأحاسيسنا، والإشكال هو أن هذه النظرة للأمور سرعان ما تبدأ بأخذ منحى عام، لتشمل جميع مناحي الحياة، إلى أن تتمكن منا وتستولي على حياتنا بأكملها، حينها تصبح لدينا الحياة بدون معنى، فهي الأخرى مجرد فترة زائلة، مهما طالت مدتها فلابد لها من أن تنتهي، لذا فكل ما قد نعاني منه ونواجهه من أجل هذه الحياة لا يستحق ذلك، والأفضل لنا أن لا نعيشه أصلا، إن الأمر يؤدي بنا إلى حالة أشد خطورة، وهي الإحباط التام، ما يقونا إلى شكل من الاكتئاب الحاد، الذي يعتبر من أكثر الأسباب التي تدفع الإنسان إلى الانتحار، إن لم يبحث لنفسه عن علاج.

إن البساطة هي من أجمل المبادئ التي يجب علينا أن نسير بها حياتنا، فالبساطة في التفكير وفي تحليل الأمور وتفسيرها يجعلنا ننظر لكل شيء على ما هو عليه، مما يمكننا من الاستمتاع بالحياة، وأن نعيشها كما هي بكل تفاصيلها، وأحداثها، حتى تلك التي تجعلنا نعاني، فهذه بالضبط يجب أن ننظر إليها بشكل سطحي وأن لا نفكر بأنه ما كان عليها أن تقع، بل العكس، علينا أن نقاوم ونحاول جاهدين الخروج من مأساتنا ومعاناتنا لنعود للحياة من جديد، ولنستمتع بها قدر المستطاع.