ولقد أمُرُّ على رياضِ الجمال، فلم أجد أجمل ولا أحسن من روضة القرآن. ففي كل الجنان زهورٌ أنت تقطفها، أو تلتاع لمظهرها، أو تستنسم شذواها. أما جنة القرآن، فإنك فيها الزهرة نفسها، وكلامك العطر رحيقها، ورفيقك الأنس والأمان، وضياؤك ملائكة الرحمان.
هي جنةٌ لا يشترط في دخولها شراء التذاكر، أو قفز الأسوار. بل هي مفتوحة دوما بلا أقفال ولا أبواب.
حسب أنك لا تراها في الأصل؛ إذا ظلام اللهو الزائف يغشى بصائرك فتغدو كالأعمى يسير في طريقه المحفوظ بلا دليل ولا راشد، فإذا وقعَ آخر أمرهِ في حفرة الجزاء قال يا ليتني اتخذت دليلا، (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا).
وهنيئا لمن ينطق بكلام الله على أرض الله، فيتوافق مع نطقه نطق الملائكة.
ولكنك ابن آدم الذي فضله الله على جميع خلقه حتى الملائكة، فإذا هم ينزلون إليك، ملتفين حولك، مستمعين صوتك في خشوع. تُرتل ترتيلا، فيخشعون ويستغفرون لك، وكان صوتُك في رأيِك أجشّا، وهو في صدورهم أنغام مطربة جذبتهم إليك من أعلى ما ترنوا إليه بك الأماني. فأنت - يا من تستصغر نفسك - خليفة الله في أرضه، وليس مَثلك مثل القِن الخادم مهما أدى من واجباتٍ فإن أجره لُقَيمات تُلقى إليه، وإذا أدى سيده واجباته كانت له الحظوة في الممالك والحب في قلوب المماليك.
فيا ابن آدم، لا تزال قِنّاً لشهواتك، فتسفُل وتسفل، ويستبد بك الترذل حتى تهِين، فتزول كرامتك، ويَنْفَضُّ عنك رهطك، ويسقط عن رأسك تاج العز والشرف، ولا جائر لك حينئذ إلا من بيده الحكم والعدل فكيف تُراك من الحيلة أن ترفع بصرك إليه!
‏أن تطلب العفو ممن يملك العفو، أن تطلب الرحمة ممن أوسع الرحمة! فإن لقاءها بالإحسان؛ فهل تُراك أحسنت!

‏إن الملائكة لَتُسبح بحمد الله أن أعلمهم بمن هو أعلم منهم. فإن أباك قد عرف الأسماء كلها، فاسع إليها، أو التمس منها قبسا. وهل يشد التفاتك بصيصٌ أشد من شعاع التنزيل المعجز.
‏فَعِلم الله - جل جلاله - لا أول له ولا آخر، وفي عِلمِه عِلم الفائزين والخاسرين، وقَد هداك السبيل وما يوازيه، غير أن أحدهما يفضي بك إلى نهر الريّان، والآخر إلى سَفْحٍ من حميم، وقد وُهِبتَ الأمانة، ولك الإرادة؛ فلا تُهملها وكن لبيبا عاقلا، تحمل في صدرك النورَ فتأتي إلى أهلك مسرورا، واحذر أن تحمل على ظهرك الأثقال فتمشي كالأحدب، ترفضه الدنيا، ولا تشبع منه في الآخرة من تعرف بالشَّرَهِ النافثِ والزفير.

‏كلامُ الله يرفعك في الدنيا شأناً، وفي العقل فهماً، وفي الملأ ذِكراً، وفي الصدر نورا.
‏فاختر النّجْدَ المزهر تنجو وتسعد، واحذر الدرب الموحش تهلك وتبوء بالخسران.

‏إن لكلامِ الله في آياته عبرات تنشِل الكلمات المظلمة في أفئدة المخلصين، أولئك الذين يرجون عفو ربهم ورحمته وغفرانه. لا تُلهيهم رقصات الشيطان في أذهانهم عن دقيقةٍ يتحرك فيها لسانهم بذكر الله، فينبِضُ القلبُ من بعد الإغمار في السكرات، وترى العين من بعد تِيهها في الظلمات. وما دواء العمى إلا تطبيب القلوب، فنور البصر يُرِي الموجود، ونور القلب يُبَصِّرك برب الوجود.

‏فإذا أتاك من الله نورُه فحِرصُك ألا تجافيه، فإنك إن وجدته وجدت نفسك، وإن أضعتَه كتبت على روحك التيه فلا تكن كمن تاهوا؛
‏فإنك بوصولك إلى هذا السطر عاقلٌ وبصير، فهنيئا لك إن قطعتَ حبل التوتر واجتزت خط اليأس، فإن الله قد جعل اليأس مِن رَوْحِه مُحرما. وأبشر! فإن القلب الطاهر لا يعرف أبدا معنى القنوط.