.


ألا ليتَ أيامي تكون يوماً واحداً أنتِ شمسه، ثم لا يكون بَعدَكِ غروبٌ أبدا."

هكذا جاءت ترجمتي لتلك العبارة الغربية التي لا يقولها إلا مُحِبٌ صادقٌ في الود:

"I wanna grow old with you" 

في بلادٍ طغت بهم الشهوات الدنيوية حتى أرذلت أنفسهم إلى أوضع ما يتصوره العقل. فإذا تألّبت مشاعر الرجل نحوَ فِطرتهِ السامية، ودعته مخابئ الروح الطاهرة إلى تلبية نداءها، مضى إلى تلك الجميلة فإذا بعينيه تبديها له في جمالٍ سماويّ كأنه قط لم يره، ولم يعهد له مثيلا في عمره، من بعد أن كانت تتزين له في جمالٍ ليس إلا جمال الجسم والجلد، فلا يتزعزع قلبُه على أثرها إلا رغبةً في ملكِ ما تظهره تلك المفاتن المثيرة للولوج إلى ديار الشيطان.

وهي الدار ذاتها إذا سُبقت بعَقدٍ فتكون دار الملائكة. هو النظر نفس النظر، لكن النظرة لا تكون على مثالٍ أبدا، وهو الشعور بارتفاع الشهيق واختلاج الأنفاس كأن الروح تاركة محلها، لكنها في الثانية روحا علوية طافية إلى روحٍ ملائكية فينسجمان في نديٍّ ليس في ملتقاه ثالث إلا ما تشذّى منهما، ولا يتغشّاهما سقف إلا ظل الرحمن بالرضا والمودة والسكينة.

وقد كانا من قبل أسفل هوة لا تتظلل إلا بظلام الغضب، ولا تتخفى إلا بستار الخوف، ولا تتحدث إلا بالكذب وإن كان صدقا.

فَصِدقُ الرجل في فِعله، وصدق المرأة في احتواءها كلمات الرجل بالأمان والطمأنينة. فإن كان ثقل عليه الحمل دهرا من عمره حتى أتته الساعة ينيخ فيها بمحلةٍ أرادها في عقله وقلبه وجنانه، لا تميل أبدا عن ما تخيّله من بركة في اختياره، ورضاءٍ بقضاء الله فيه، وسكونٍ إلى ما أورثه الله من الرحمة بفؤاده.

ولا ترتد صورتها إليه أبدا مُحَمّلةٌ بتأنيبٍ في ضميره، أو أسىً على ماضيهِ وأمسهِ. ولا يكون الحكم على صورة الجميلةِ بالزينِ الملائكي، أو الزور الخادع إلا بالنظر في ذاتِ الرجل وجوهره، وبالتحري فيما تقدّمه يداه بالعمل من الخير أو من ضده، وبالتنبه إلى ما ينطق به لسانه من الشكر أو الجحود!

فعَمَلُ الرجل إذا أراد من الله ملاكا، أن يكون بِجُلِّ جهده نقياً كالملاك. وحسب النقاوة لا تكون بالعصمة المطلقة فذا محال. إنما هي سرعة الرجوع إلى ربه ما إذا انزلقت قدماه، وهي القبض على أقدامه بالتثبت ما إن وُجِدَت على بساطِ الهُدَى.

فقد يزينُ إبليسُ للمرءِ أنه بِساط من الجمرِ المتقد بنيران العُبسِ والقهرِ والعبودية، فذَره - يا راجيّ حُلّةَ الملاكِ – خائبَ الظن، فإن هذا الجمر ما يكون إلا وهما في التصور اللعين من الشيطان، فإذا أثبتَّ لله حسن التوكل عليه والاستمساك بحبله رِضاه، أجلَى عنكَ تلك المحنة برفع بهتان الصور، وإبراز حقيقة الشعور بالإيمان، تلتذ به في كل سجدةٍ وإقامةٍ وركوع. وتترنم به في كل تلاوةٍ لآياتِ القرآن البينات، وتعتنقه اعتناقا في البسمات المرسلة بينك وبين كل بشري يؤمن بالسلام.

أما عَمَلُ المرأة ... فإنه لا يختلف عن الرجل في تزكية النفس وطهارتها، بتهذيب القول، وإتقان العمل، وتنقية الضمير إذا سلّمتهُ لله خالصا من كل ضغينة أو حقد. ولولا أنها كانت هِبةُ الله في كمال البشرية، لما أهَمّها بالحفاظ عليها من نفسها، كما أوكل للرجل أن يكون حاميها من غيرها.

فحسبها سحابة رقيقة تسري بالنقاء، فإذا أثقلت، أرسلت غيثها النافع فتنتعش الأرض ومن عليها. ولو أنها جاءت بقطرها من بخارٍ كدر، أو فحيح قاتم، لأهلكت الزرع وباءت بالأرض والأنفاس خرابا. لكنها نِعمة الله في نفسها، قبل أن تكون نعمةً لغيرها، تهمس في أذن الصغير فتبعث إليه بالحياة؛ حياة مفتاحها التكبير، ورحيقها التسبيح، وختامها تكبير أكبر للبدءِ الذي لا يكون إليهِ مُنتهى.

وفي رسالتِها خوف عليه من الأذى، وهداية له إلى الرشد، وإحاطة له من مكامن الشر، فلو أنها في نفسها جاهلة فكيف تُؤتِه العلم، أو كانت روحها مدنسة فكيف تهبه النقاء. فإذا جاهد الرجل نفسه على الصلاح بُغية أن يرزقه الله بكِ، فجهدِك على الصلاح يتعلق به عالمٌ كاملٌ أنتِ شمسه وأرضه وسماه، أنتِ نوره إذا كنتِ وضاءّة، وظلامه إذا سُلِبتِ بالهوى ذلك النور. ولا تخالُ المرأة أنها محملة بشقاء البحث في ماهية الرسالة وسبيل الكيف فيها! ... بل إنها فطرة الله لا تنفصل عنها مذ أن كانت نطفة في علمِ الله، بل لا يأتي شقاء المرأة إلا حين البحث عما هو غريب عن تلك الفطرة.

وحظها من حلاوة الدنيا وسعادتها، في حلاوة بناءِها وبهجَتِه، إن كانت حسنة، لا تنبت إلا حسنا، وإن كان القائم عليها صالحا، فإزهارهما يكون كذلك صالحا، نِعمةً من الله وبركة. وجزاء إحسان بإحسان.

فهل يخلدُ الحب الصغير! بلى إنه ليكبر ويعظم؛ وعظمة الحب في أداء الشكر، ومعنى الشكر مرسومٌ في حسنِ الخلق وتقوى الله والعلمِ أن الحب الأصغر ليس من واجبه إعماءُ الإنسان عن الحب الأكبر. 

فإن خلودُ العشقِ بقلبِ إنسانٍ لا يحتاج إلى دليل سوى الصدق فيه. 

~ عبد الرحمن برغش