جاءني سُؤالٌ كان هذا نَصُّه:

¶ في حديثِي مع والدِي عن نجيب محفوظ رحمهُ اللهُ، قالَ والدِي مُمتعضًا: (نجيب محفوظ عرّى المصريين بكتاباته)، وأنا على خلافٌ معه وأرى أن الأدب إنما هو تشريفٌ لأصحابِ الأثر والتغييرات وتطور الحياة مع العصور، ووصمة عارٍ على غيرهم من الفُسّادِ. فما رأيُكم؟¶


وتلك كانت إجابتي:

يُخلّف الإنسان إرثَه في شيئين، إما أثراً، وإما دِمنةً.
والدمنة ما اسود من آثار الديار، فلا تهب منظرا رائقا، ولا تطبع ملمسا نظيفا.
ولا يزال النقاش قائما: هل الأدب تصوير الواقع، أم وهم المثالية؟!
فالكل متفق على الأديبِ لا يتخللُ موروثَه ما يَخجَل الإنسان من قراءته، أو إيصائه لأولاده.
أما تعرية المجتمع، وكشف مساوئه ومفاضحه، - كما هي- لا أحسب لها موقعا أحق بالنزول فيه إلا بين أهل الرأي والعقد.
ففي قراءة المهموم كتاباً مِلئُه الغمُّ؛ سُلواناً، إذ وجدَ من يُشاركه أحزانه ولو بين صفحات من الورق.
كذلك باقي الأصناف لا تثريب عليها مادامت في حيز الأدب، لا قلة الأدب.
ولنا في القرآن الكريم خير مثال، فلم يذكر ربنا لفظة اجتماع الأزواج إلا كناية: (أن يَتَمَاسَّا)، وقد وصَلَنا المفهوم خاليا من الظن.
وأما عن نجيب، فقد أبدع في إظهار ذكاء الروائي من حيث الحبكة والشخصيات واللغة الجيدة يفهمها العامة والخاصة.
وهذا من الأثر.
أما عن الدِّمَن: فهي ما أورثَه من كلمات نابية، وألفاظ خادشة، وتصاوير فاضحة تثير في الإنسان ما يجب الاتقاء منه.

وكانت أقبح الدمن في إستخدام الاستعارات، ولكنه لم يُعملها في خدمة الأدب حيث تُنثَر القصة الفظيعة بألفاظ حييّة، وإنما استعملها في ما هو أعتى وأشد، حين جسّد الإله بشرًا في إحدى شخصياته، وذلك أعظم الجُرم وأكبر السوء.

ولو أن روائيا كتب في سرده (أقام الليل في الرقص والشرب) لعلمتُ مراده، فما يدعوه وأمثاله إلى التّسفل لكل دقيقة من دقائق الفاحشة حتى يذكرها على صورتها؟!
لكان التبسط في سرد دقائق البِّرّ أولى وأنفع. ولكنها لا تكون رواية حينئذ، فلا يستهويها هؤلاء.

وقد قرأتُ روايةً -لكاتبٍ معاصر- بديعةِ السرد والقصة والقصد، وكانت عن الآريسيين، ولكن المشاهد فيها في بضع صفحاتٍ أحق أن تُحرق. فإنها تُدخلك في الفاحشة كأنها الواقع، لا مجرد الوصف.

فلماذا قد أثنَيتُ عليها؟
لأنها صفحاتٌ يسهُل قطعها واجتزاؤها من الكتاب. أما الذي يدس السم في العسل، ويميع الأفكار يدفعه القلب الجبان فذلك ما لا أقبله بأي وجه من وجوه المروءة، ولا أحسبه في زمرة الأدب الذي أظن أنه الأدب.
وجملةُ القولِ أني قد ذكرت للرجل محاسنه، وبيَّنتُ ما لايُحمَد من إرثه ودِمَنه. فإن كان من نُصحٍ، فليقرأ له من كان ذا عقلٍ حصيف يميز الحق من الباطل، وليتعلم من الرجل مسالك الرواية ومخابئها، ثم يُعَلّمها لغيره، فلعل ذلك يقع على فؤادٍ أنشأه الله هبَةً للأدب. فيأخذ من كل ثمرٍ أزكاه، ولعله يكون عُمدَة الغد.
وأذكر أخيرا مقولة الإمام أبي حامد الغزالي:
" وأقل درجات العالِم: أن يتميز عن العامي الغمر، فلا يعَافُّ العسَلَ وإن وجدَه في محجمَةِ الحجّام"
#عبد_الرحمن_برغش