بعد أن ألقينا الضوء في المقال السابق على علاقة التعليم بالأمن القومي، دعونا نتحدث الآن عن قضية هامة أخرى وهي قضية التنمر أو العنف والشغب المدرسي.

العوامل المسؤولة عن شيوع العنف والشغب بين الطلاب

١- عوامل اجتماعية:-

أ- مباشرة:-

١- قصور في الوظيفة الاجتماعية للمدرسة:

فالانفجار المعرفي، والسرعة الفائقة في تبدلها، دفعت بالمسؤولين عن التعليم إلى حشو دروسهم بالتفاصيل إلى درجة الاختناق والإيغال في التخصصية إلى درجة عزلت الطالب عما سواه في ميادين العلوم الأخرى.

٢- الزحام داخل المؤسسات التعليمية:

فالزحام بطبيعته يعوق تركيز الانتباه، ويثير الانفعالية، والضيق والقلق، كما يغري المتزاحمين بارتكاب السلوك المشاغب، وأمام الأعداد المتدفقة من الطلاب وجد المعلم نفسه عاجزًا عن الاضطلاع بالتعليم.

٣- الوهن الذي أصاب منظومة العقاب:

حيث كان رفض العقاب وتجريمه كوسيلة تربوية واعتباره دليلًا على فشل المربي، والتهاون في تطبيق اللوائح التأديبية أحد أسباب انتشار الشغب بين الطلاب.

ب- غير مباشرة:-

١- تبدل منظومة القيم:

فانتشار روح الاستهلاك وقيمه في المجتمع، وتبني سلوكيات مادية سلعية، وفتح أبواب الانحراف من أجل الحصول على مزيد من الدخل الذي يغطي الحاجة إلى الاستهلاك كل ذلك أدى إلى انتشار مظاهر عدم الانتماء، وتدهور القيمة الاجتماعية للعمل المنتج، وتفكك الأسرة وتعميق الشعور بالاحباط، وتمجيد الثقافة الأجنبية على حساب ما هو محلي.

من هذا المنطلق تسود مجموعة من القيم اليوم ليس بينها اتساق ولا تناسق، كما أنها تنطوي على قدر كبير من التنكر لمنظومة قيمية أخرى كنا نتمسك بها من قبل.

ومن أهم الثقافات الفرعية المنتشرة بين الشباب المتمرد والمسؤولة عن شيوع التمرد والشغب بينهم ثقافة العولمة، فهي أول الأطر جاذبية للشباب، وتعني سيطرة ثقافة أجنبية على الثقافة القومية، وإذا كانت اللغة العربية هي لغة الحوار والتفاعل بين الشباب، فإن هذه اللغة أصبحت الآن تتعرض لهجوم شامل، ومن الطبيعي أن يؤدي هجر اللغة إلى هجر الثقافة والقيم المرتبطة بها، الأمر الذي يؤدي إلى ضعف انتماء الشباب لمجتمعهم وانعكس بالتالي على سلوكياتهم نحوه.

والمدرسة بطبيعة الحال ليست بمعزل عن هذه المتغيرات، وهذا يفسر إلى حد كبير شيوع بعض السلزكيات الضارة بين الطلاب.

٢- ضعف الانتماء لهويتنا المصرية:

ويتمثل هذا الانسلاخ في النقد الذاتي الهدام للذات الاجتماعية في شخصيتنا، مما يرسخ في نفوس شبابنا أن هذه العيوب جزء من طبيعتنا، وبالتالي يثير فيهم التمرد.

٣- الإعلام المرئي:

حيث تعد ثقافة الصورة برغم سرعة انتشارها ثقافة هزيلة وفقيرة وسطحية، وإذا أخذنا في الحسبان حدوث هجومها على تواز مع تراجع معدلات القراءة سيتضح لنا مدى تأثيرها السئ على المعرفة والثقافة ومنظومة القيم، ومما يزيد الأمر سوءًا أن تأثير هذا الإعلام جاء مع غياب دور الأسرة والمدرسة فأصبح هو الأقوى في تشكيل وتوجيه السلوك.

٢- عوامل فردية (شخصية):-

١- الطلاب في فترة المراهقة يسود حياتهم الانفعالية العنف، وعدم الاستقرار، والقلق، ومشاعر الذنب، والتمركز حول الذات، وحب التفرد، وسهولة الانقياد لأي جماعة متطرفة.

٢- الاستعداد العقلي العصبي الذي أحدثته الخبرة المتكررة ذات التكوين الإدراكي والمعرفي والانفعالي والنزوعي.

٣- سوء الحالة الصحية بسبب التغيرات الكميائية في الجسم في لحظات الغضب والتوتر فيحدث استفزاز للجهاز العصبي.

٤- اتخاذ الطلاب السلوك المشاغب كوسيلة لتخفيف أعباء الحياة عليهم.

٥- السلوك المشاغب قد يكون رد فعل لموقف استفز فيه صاحب هذا السلوك.

كيفية مواجهة مشكلة الشغب والعنف بين الطلاب

هناك منطق عام يصدق على جميع الاتجاهات التي يجب الالتجاء إليها عندما نكون بصدد مشكلات مدرسية ونميز في هذا المنطق:-

أ- اتجاهات سريعة العائد:

وهي اتجاهات يمكن الأخذ بها لاحتواء المشكلة مع احتفاظ المدرسة ببنيتها الأساسية الحالية.

ب- اتجاهات بعيدة المدى:

لاجتثاث المشكلة من جذورها وهي تتطلب إجراء تغييرات عميقة في بنية المدرسة والنظام التعليمي.

أولًا: الاتجاهات سريعة العائد:-

١- إكساب المعلم مهارات إدارة الصف:

ويقوم هذا الاتجاه على صياغة برامج تكوين المعلم وتدريبه أثناء الخدمة على أساس من إكسابه مهارات إدارة الصف للتعامل الرشيد مع الطلاب المشاغبين.

٢- استثمار اليوم المدرسي:

فيتم استثماره استثمارًا رشيدًا متضمنًا برامج ثقافية وترويحية وأنشطة عملية بعد أن ثبت ارتباط الشغب المدرسي بعدم وجود ما يشغل التلاميذ أثناء اليوم الدراسي.

٣- المزاوجة بين الثواب والعقاب:

حيث ثبت أن العقاب سيظل أسلوبًا مهمًا في حل مشكلة الشغب الدراسي عندما لا يكون هناك استجابة للوسائل الأخرى، والثواب مطلوب أيضًا في هذا الصدد وخاصة مع الطلاب ضعاف التحصيل الدراسي.

ثانيًا: الاتجاهات بعيدة المدى:

١- أماكن بديلة للطلاب المشاغبين:

وتنوعت هذه الأماكن ما بين استبعاد المشاغبين إلى مدارس متدنية المستوى تستودعهم أكثر مما تربيهم، ومدارس تقوم على رعايتهم وتعليمهم وتوفير خصائص معينة تناسب سلوك المشاغبين (كما هي مطبقة في نيوجيرسي).

٢- اندماج المدرسة في المجتمع:

كما هي مطبقة في صيغة مدرسة المستقبل، وهي مطبقة في العديد من البلدان المتقدمة وهي مدرسة تقوم على دمج المدرسة في الخدمات الصحية والإنسانية والاجتماعية، ولا يقتصر دورها على التعليم الأكاديمي فحسب، وإنما تفسح مناهجها وأساليب التدريس بها مكانًا لتقديم الرعاية الصحية والصحة النفسية وخدمات الأسرة، وهي مطبقة في سان أنطونيو، وهوستون، ودالاس، وأوستن، وجورجيا وغيرها.

٣- إعادة النظر في تكوين المعلم:

وذلك بسد احتياجاته المادية، وتخفيف أعباء العمل وترشيده بحيث يصبح مجديًا، وجعله قائدًا في جماعته وقدوة لتلاميذه، ولنا في التجربة اليابانية دروسًا مستفادة.

٤- تغيرات جذرية في طرق التدريس:

بحيث تعطي الفرصة للطلاب للمشاركة وتنمي فيهم التفكير الناقد المستقل، واكتساب المهارة في العلاقات الإنسانية، ومن الصيغ الهامة في هذا الشأن طريقة المناقشة الجماعية، التي ثبت جدواها في تحسين علاقة الطالب بأستاذه وزملائه فضلًا عن تنمية المهارات العقلية لديهم.

٥- صيغ تعليمية جديدة:

يكون الالتحاق بها قائم على الرغبة الشخصية وتتناسب مع قدرات الطالب، وفيها مرونة في القبول وخبرة للتعليم الفردي، لا ترتبط بالنظام التقليدي في التعليم، بما يوفر جوًا نفسيًا مريحًا مانعًا للشغب مثل: الجامعة بدون جدران، والتعليم عن بعد، وكلية المجتمع، والتعليم العالي قصير الدورة، كما هو مطبق في أمريكا، وفرنسا، وبريطانيا، ويوغسلافيا.

٦- إعادة النظر في منظومة العقاب والثواب:

وذلك بما يحقق ردع الشغب ويوفر الانضباط وقد كان الجديد في هذا الشأن:-

أ- تشريعات تحمل الآباء مسؤولية انحراف الأبناء.

ب- تشريعات لحماية حقول الأطفال (الأسوياء منهم والمعاقين) على طول المسيرة التعليمية بما يضمن لهم الحرية والحماية.

ج- مشاركة من قبل هيئات المجتمع للمدرسة في توجيه الطلاب وتوعيتهم بطرق الانحراف، مع وجود خطط عمل تشترك فيها المدرسة والأسرة وغيرها من مؤسسات المجتمع لردع المشاغبين.

د- مشاركة أساتذة الجامعات في تقديم نماذج عملية يحدد فيها أنماط السلوك المشاغب وكيفية التعامل معه.

وبهذا ينتهي حديثنا عن قضية الشغب والعنف المدرسي، على أمل اللقاء في المقال القادم للتحدث عن قضية أطفال الشوارع.

اقرأ أيضًا:-

ما هي علاقة التربية بقضايا العصر؟

قضية التعليم والأمن القومي

قضية التنمر والعنف والشغب المدرسي

قضية أطفال الشوارع (١)

قضية أطفال الشوارع (٢)