فى إحدى العيادات النفسية يجلس شابا في العشرينات من عمره على مقعد إسفنجى...ينظر إلى الأعلى و يحرك عينيه باستمرار في أرجاء الغرفة يتفقد كل ركن فيها..كأنه يتأكد أن كل شىء مثلما تركه في آخر زيارة له....يجلس ثانيا ظهره للأمام..و ضامما ركبتيه وقدميه لبعضهما ساندا عليهما ساعديه.. و قد أمسك إصبع إبهامه باليد الأخرى..تستطيع أن تدرك انطوائيته و خوفه من مجرد النظر اليه... بجانبه يجلس الطبيب مرتديا عويناته ...و يمسك في يده ورقة وقلم وشريط التسجيل بجانب كليهما يشهد على كل ما يقال....

حسنا يا آدم...لنكمل ما بدأناه...لقد أخبرتنى في المرة السابقة أنك طالب في كلية الطب في السنة الثالثة.....تعانى من اضطراب في التفكير و الاكتئاب و الذى قد بدأ يؤثر على تعاملك مع الناس و دراستك....وقد تسبب في ذلك شخصا تعرفه اسمه َأيْهَم....لقد كان صديقك منذ الطفولة...لكنك منذ عامين تقريبا قد بدأت تستكشف فيه عيوبا لم تدركها من قبل ...و في أثناء ذلك قد تعرفت على آزاد...زميلا لك في الكلية و السكن و قد رأيت فيه أنه أجدر بصداقتك من أيهم ....لكن ما الذى جعل ظهور آزاد يؤدى لكرهك لأيهم لمثل هذا الحد؟

تنهد آدم ثم قال له بصوت واهن و عينين شاردتين قد مليا من الألم:

يقولون أن وجود القبح يبرز الجمال؛ فلولا سواد الليل لما عشق الناس القمر والنجوم...لكن - في رأيى - كذلك وجود الجمال يجعلك تدرك درجة القبح....أعنى أنك لم تدرك وحشة الظلام إلا لأنك تذوقت معنى النور...لم تكره الفقر إلا عندما فهمت قيمة المال.. كذلك القبح و الجمال.. كل منهما يبرز الآخر.. الأمر فقط يعتمد على أية جهة ستنظر....

الطبيب: فهمت....إذا هكذا كان الأمر بالنسبة لك....وجود آزاد بكل صفاته و مثاليته جعل عيوب أيهم أمامك واضحة ..و أصبح من السهل رصدها فى كل فعل يقوم به...و النتيجة أنك لم تعد تتحمله بعد الآن...و هذا الأمر بات يزعجك...لا يكف عقلك عن أمرك بالتخلص منه...لكن لا مفر ...هو زميلك في الكلية و رفيقك في السكن و كان صديق عمرك.... أليس كذلك؟

أماء آدم رأسه: نعم... والمشكلة أن أيهم مجرد أن شعر بكرهى له بات يزيد في تصرفاته وعيوبه....كأنه يتحدانى..."أنت لن تقوى على التخلص منى"....و الحقيقة أننى بدأت أصدق هذا الأمر..لكن لا يمكننى التعايش معه....خاصة و أنا أرى آزاد أمامى دائما كمرآة تعكس مساوىء أيهم. أتفهمنى؟....أرجوك أرشدنى ماذا يمكننى أن أفعل...هل ترى أننى قادر حقا على التخلص من أيهم.

- نعم أفهمك جيدا لا تقلق...لكن دعنى اسألك أولا لماذا تكره أيهم لذلك الحد...أعنى حتى وإن كانت عيوبه واضحة بالنسبة لك ...لكننى لم أسمعك يوما تذكر ميزاته بقدر ذكرك لعيوبه ....أعنى ربما هو ليس سيئا كما ترى....ربما أنت بتسليطك للضوء على العيوب و مقارنتك الدائمة له بآزاد جعلت منه شخصا لا يحتمل.

- أعرف هذا لكن صدمتى كانت كبيرة فيه...خاصة عندما اكتشفت بعض الصفات التى أكرهها في شخص أعرفه و قد سببت لى الأذى..و جدتها فيه....كيف لى ألا أكرهه حينها ؟!

- حسنا...لنتفق على شىء....أنت لا تحتاج للتخلص من أيهم... لأنه جزء من إنسانيتك..و المشكلة ليست في وجوده إنما لعدم تقبلك و كرهك و نقدك الدائم له.....أنت تقارنه بآزاد دائما....تلومه فقط ولا تأخذ بيده ليتغير...كرهت وجوده ...فبات أقوى و فرضه عليك....إذا الحل أولا في تقبله..هذه هى البداية....ولا تطلب منه أن يكون آزاد....حاول أن تفهمه و لتكن رفيقا به.....حسنا يكفى هذا اليوم و سنكمل في الجلسة القادمة....أوقف الطبيب شريط التسجيل ثم سأل آدم: والدتك قد أتت معك أليس كذلك

- نعم إنها تنتظر في الخارج ..

حسنا سأخرج لأتحدث معها قليلا.. يمكنك تصفح بعضا من هذه الكتب في انتظارى...و إذا أعجبك أحدهم يمكنك استعارته حتى موعدنا في الجلسة القادمة.

ما أن خرج الطبيب لغرفة الانتظار حتى وجد سيدة في الخمسين من عمرها تقف أمامه و في عينيها مزيج من الخوف و القلق....ولم يكد يتكلم حتى انهالت عليه بالأسئلة: كيف حال ابنى أيها الطبيب؟ مالذى قاله لك؟؟ هل حالته خطيرة؟ و من هما أيهم و آزاد اللذان لا يكف حديثه عنهما ؟ قال لى سابقا أنهما زميلاى في السكن ؟ أى سكن هذا و هو يعيش معنا ؟ أرجوك أخبرني....

أرجوكى اهدئى أولا ولا تقلقى ...أنا أعرف أنه لا وجود لأيهم و آزاد....هم مجرد رموز لا أكثر..

رموز...لا أفهم شيئا ..هل ابنى مجنونا؟

لا لا...أعنى أن ابنك صنع من عيوبه شخصا سماه أيهم وهو اسم معناه المصاب في عقله عديم الفهم.... له معانى عديدة أخرى لكنه أختار اسوءها...هذه العيوب صاحبته من صغره لكنه لم يلاحظها أو لم يلاحظ عواقبها إلا عندما بدأ يكتشف ذاته و يبحث في خبايا نفسه....عرف عيوبه و صدم فيها لم يتخيل أن يمتلك تلك الصفات التى كرهها في الناس....لم يتقبل تلك الحقيقة وبات يمقتها....ثم رسم لنفسه شخصية أخرى سماها آزاد و هو اسم فارسى كردى و معناه الحر الطليق الذى لا عيب فيه....و جسد فيها كل الصفات الذى تمنى أن تكون فيه....آزاد هو الشخصية المثالية و الأمنية التى يعجز على آدم الوصول اليها.....ظل آدم يقارن عيوبه و الصفات التى رآها في نفسه بتلك الشخصية المثالية آزاد.....كره أيهم و لم يتقبله و في نفس الوقت اقتنع أنه يعجز على التخلص منه .....و طبعا تعرفين النتيجة....عدم ثقته بنفسه وعدم تقبله لعيوبه قواها....باتت جلية واضحة أكثر بالنسبة له ....و في نظره صار أضعف على التخلص منها...... لكن لا تقلقى.. الأمر قابل للعلاج...إن إدراكه لمشكلته ووعيه بها في حد ذاته أول خطوة لتعافيه..هى البداية لأى شىء...لقد بدأ رحلته الآن و عليه أن يتمها للنهاية.