اسمُكِ أجمَلُ شُفَعَائي!
                         ♡♡

اسمُكِ!

اسمُكِ!

كم أحبُّه هذا الأخضَرَ المُعَتَّقَ في دنانِ النورِ والأملِ والرجاء..! كم تترنَّمُ به رُوحي في العشايا الوحيداتِ والصباحاتِ الباردةِ..! كم تستدفئُ بهِ معطفاً شمسياً وارفَ القطيفةِ والنَّغم..! كم تحتمي بحدائقِ طيبهِ من الانجرافِ والتشيُّؤ وفقدان النغمةِ السماوية القديمة؛ صبغةِ انتسابها إلى نفخة الحنان الأولى!وكم أغازلُه، وكم أقبّلُه، وكم أسرِّح شَعره كالأطفال، وأمسِّد ظهرَه الأبيضَ الناعم .. بل .. وكَم أعضُّه من غيظِ الحنينِ أحياناً!! وكم أُشَرِّحُ لحمَ موسيقى المجرَّاتِ فيهِ ..!

اسمكِ : أجمَلُ شفعَائي، أشرَفُ معَاريجِي، أنضَرُ بسَاتِيني، أثْرَى ثُرَيَّاتي بالنُّور، أعطَرُ قمصَانِي الزَّرقاءِ، فَرَحِي البَاكِي، ما تبقَّى في الأرض من حفيفِ أشجارِ الجنَّةِ، قيامتيَ الخضراءُ، صلاةُ أشعَاري على القمَرِ، كنانتِيَ المملوءَةُ بأهازيجِ السَّماحِ، رفيقِي في السَّفرِ، وشمِيَ الأبنُوسِيُّ العائمُ في شَرَايِيني، كتابيَ المقدَّسُ، فصِيلة دَمي، شوكتِي النحاسِيَّةُ في عين الرداءةِ والتفاهةِ واللَّامعنى، حِرزي وتعَاويذي، أحلامُ رُوحيَ القديمةِ، أورادِي في الصباحِ والمسَاء، محبُوبُ صمتِي ومُرَادُه، كاشِحُ عتماتِي كلِّها بغايَة حنانِ الأمُومَةِ الوَقَّادَةِ المُتَعَاليَةِ ..!

اسمكِ!

أينَ في التَّرانيمِ مثلُه؟ أين في الأنوارِ نورُه؟ أينَ في الأنوثةِ دلالُه؟ أينَ في المَجْدِ ألطافُهُ الخَفِيَّة؟! أينَ في النَّسِيمِ طراوتُه وندَاه؟! أين في الأشجار نَسَبُه الشَّريفُ؟! أينَ في العذُوبةِ سَرائِرُه البَضَّة؟! أين في الطيُوبِ طِيبُه "السُّلْطَانُ" الرَّخِيمُ الأَوفى؟!

اسمكِ! يا الله!!
برهان أن الكلمةَ تخلقُ من عدمٍ هُوَ..! تحيي من مواتٍ هُوَ، تروي من عطشٍ هُوَ
، تعلِّم من جهالةٍ هُوَ، تنير من ظلمةٍ هُوَ، ترقِّي من سفالةٍ هُوَ، تُؤَمِّرُ من صعلكةٍ وشتاتٍ هُوَ، تطلق من سجنٍ هُوَ، تزهِّر من جفافٍ هُوَ، تغفر من جنوحٍ وضلالِ وكفرٍ هُوَ هُوَ هُوَ!!  

ثمة _ يا وَرْدَةَ المَعرفةِ _ معركةٌ حامية الوطيسِ بين فريقَين من أهل التَّوحيدِ، ساداتنا أهلِ البصائر والنُّهى: هل الاسمُ هو عين المسمَّى أم غيره؟!
الفريقان عالمانِ، عارفانِ، غارقانِ في التنزيهِ والجلال! ذاهبانِ في حضارةِ النور إلى أبعد مدى! تدرين _ يَا نِنَّ عَيْنِي _ إلى أي الفريقينِ جيَّشْتُ انحيازي؟!

إليكِ أنتِ!
إلى اسمكِ أنتِ؟!
أنتِ تجلياً من أجمل تجليات ذات ربِّي الإلهية!
واسمِكِ رشحاً من رشَحاتِ أنوار أسمائه المقدَّسة الحُسنى!

خطيئتكِ الكبرى يا حبيبتي أنكِ لم تؤمني بحبي المخلصِ لكِ، لم تصدِّقي خضوعَ رُوحي لاسمكِ الشريف الطاهر! لم ترتفِعي لمستوى إيمانِ رياحيَ بتفوُّقِ حدائقكِ النبية! (كم مرةٍ شققتُ لكِ قمرَ روحي على ماء غربتِنا البعيدة؟! كم مرةٍ تفتَّحَتْ زهورُ بكائي الحمراءُ على يديكِ؟! كم مرةٍ عصرَتني أفعى الشوقِ إلى عيونكِ وما ثمَّ في المسافة بيننا إلا نايٌ وسجَّادة صلاةٍ خضراءُ وأطفالُ قمَرٍ؟!!).

حُبِّي يا بعيدةُ!  حُبي الذي أدَّخره لتثقِيل حسناتي في الميزانِ يوم القيامةِ! أنا في شكٍّ من كل حسناتي أن تكون حسناتٍ إلا هو، فإنه أصدقُ حسناتي، وأحسنُ حسناتي، وأطهرُ حسناتي! حبي الكبيرُ، النقيُّ، العارفُ بأحزانكِ، المُتَبتِّلُ، الأوَّاهُ، المشتعلُ خوفاً من طوارقِ الغيبِ الكسَّارةِ ضلوعَ الروح بلا أدنى رحمةٍ، بلا أدنى شهقةٍ، بلا أدنى التفاتٍ، بلا أدنى إقامةٍ على ريحٍ أو جمرٍ أو إعصارٍ ..! أما كان كافياً كلُّ هذا الخوفِ الجاثمِ على وَلَهِ القلبِ لأنجو من طعنةِ غيابكِ المقدَّسة؟!

لم كنتِ أنتِ وجبالُ الخوفِ عليَّ ؟!

اقتربي مني قليلاً أيتها الوردة البيضاءُ 
اقتربي لأحكي لكِ قليلاً! 

حتى في أحلامي ما زلتُ أعاقر التِّيه، ما زال دربي حائراً .. ما زالت العرباتُ تنكرني .. ما زال الناس بلا وجوهٍ، بلا أسماء، بلا رائحة!!

التيه في الأحلام كابوسٌ ثقيلٌ يا فديتكِ! .. تجْرينَ إلى هُوَّاتٍ، تبحثين عن نبع جافٍّ، تتفتح الدقائقُ عن وحوشٍ ضاريةٍ، صرخاتٍ مكتومةٍ، سفائنَ منخوبةٍ، أجنحةٍ مقصوصةٍ، أشباح مرعبةٍ، كلامٍ ضالٍّ، رمالٍ هائرةٍ، سراب ساخنٍ! ..

التيه في الأحلام عذابٌ كبيرٌ يا شجرة الماء المباركةَ..! البارحةَ رأيتُ كلّ هذا العذابِ الأسود!!

ما جدوى هذا الآن؟!
ما جدوى أن أحكي لكِ؟!
ألم أشبع من سخريتكِ المُرّة من عذاباتي؟!
أما اكتفيتُ من جحودكِ وشكوككِ؟!

أيها القلبُ الشَّقي!

دَعْكَ من هذا الكلامِ الباطلِ، من هذا الغباءِ المعقُودِ، من هذه المكَابرةِ المكشوفةِ، من غضب الأطفال المكَّارِ هذا! دعك من هذه الأسئلةِ اللَّوَاطِمِ السخيفةِ، من هذا الأنينِ العقيمِ الأحمقِ ..! ألم تقل لها يوماً: أيَّتُها الإلهيَّة العينَين! كُلُّ ما تفعلِينَه حَسَنٌ؟!! أيها المتورِّط في رياحينِ شالِها عشقاً حدَّ غرقِ الحنينِ، حدَّ ذوبانِ الأسرارِ، حدَّ العَمَى عن كلِّ العالَم، حدَّ غفرانِ جميعِ ما ارتكبَتْ من خطايا، جميعِ ما أذاقتكَ من مَذَلَّةٍ! جميعِ ما سفحَتْ من دموعِكَ الطيِّبة!

إنها "رُوحُ" يا قلبي!! "رُوح" يا مَجْمَعَ المساكينِ!!

حلالٌ عليها دمكَ إن أراقته وهي غضبى!!
حلالٌ على جَمالها
حلالٌ على بَراءتها
حلالٌ على أسرابِ الحمام والعصافيرِ النائمةِ في راحتَيها!!
حلالٌ على مشيئتِها اللَّا تُسألُ عمَّا تفعلُ وأنتَ عبدَها تُسأل!!

آهٍ!! أنا متعَبٌ يا رُوح! منهارٌ! معتمٌ! مطمُورٌ! تائهٌ! مسجُورٌ! مكسُور الظَّهْرِ! عَارٍ كالريحِ! ذليلٌ كالمسمارِ! منسحقٌ كنهرٍ ناشفٍ! مهزومٌ كحنجرةِ ثكلى! في غليانِ التَّشعيثِ حالي، ومُقامي حضرة الغبار! وهاربةٌ شطآني وسواحلي ..! وأنتِ ..!! آهٍ!! أينَ أنتِ؟!!

آهٍ! كنت محتاجاً إليكِ وأنا جنينُ عيونكِ!
هل لكِ أن تتصوَّري الآن حالي المزريةَ أيتها النِّعمةُ الغائبة؟!

أستغفرُ الله العظِيم!
ومتى غبتِ؟!! متى غبتِ؟!!
متى عن عيني غابَ ذلك المِخْرَزُ  المَرِحُ المحمُومُ النبيُّ ؟!! متى عن أحلام المجَاعةِ غابتْ أفراسُ المَطر؟!!