كان يتعشّىٰ مع زوجته وهما يُشاهدان التّلفاز، كانا قد هُجِّرا قسراً مِنْ سواحل قنوات الإعلامي الرّسمي إلىٰ جزر اليوتيوب وسواحل منصات التفاصل الاجتماعي، لقد صارت القنوات العمومية، عاميّة فأُمِّية، غوغائية ثمّ دغمائية، بعدما دخلت تحت جناح أولياء الأمور، فأصبحت تُسبّح بحمد فخامة الرّئيس وجلالة الملك أربعاً وعشرين ساعة في اليوم، وسبعة أيام في الأسبوع حسوماً، إنّ الملوك إذا ملكوا قناةً أفسدوها، وفي رواية أخرىٰ أغلقوها.

كانت زوجته تتزوْد بأخبارها من متجر (الأسبوع في كيس) لليوتيوبر أحمد البحيري، ولم يكن زوجها يملك سلطة علىٰ التلفاز بعدما صارت عصمة جهاز التحكم بيدها، انتهت الحلقة وكانا منشغلين بحديث غيره فلم ينتبه أحدهما ولا كلاهما حتَّىٰ انتقل اليوتيوب إلىٰ عرض حلقة اختارها -علىٰ ذوقه- لأحد البرامج الّتي تفتي في كلّ شاردة وواردة، فهو صاحب الدّار، بل الدّار نفسها، والعالم كُلِّه.

كانت الحلقة تتحدّث عن أحد عظماء التّاريخ الإسلامي، وكانت الصّور تتسارع علىٰ الشّاشة الذكيّة -ونحن الأغبياء- يدفع بعضها بعضاً، تحاول اللّحاق بسياق المعلّق ذي الصّوت الرّتيب وهو يقول: "اختاري إمّا أنْ تردّي حُليّك إلىٰ بيت المال، وإمّا أنْ تأذني لي في فراقك، فإنّي أكره أنْ أكون أنا وأنت وهو في بيت واحد".. قالت زوجته اعتراضاً علىٰ كلام المعلّق: "ليس منْ حقّه أنْ يقول أو يفعل ذٰلك"، فتبسّم زوجها ضاحكاً من قولها وقال: "لسْتِ أنت ولا أنا بأعلم ولا أفقه ولا أتقىٰ منه، وهو مَنْ هو في العلم والفقه والسّياسة والزّهد والورع حتَّىٰ سُمّي بخامس الخلفاء الرّاشدين…" قاطعته محتدّة: "لا يجوز للزّوج أخذ شيء من حليّ زوجته"، لم يعرف كيف يجيبها، فقد كان واضحاً له ماوراء القصد من طلب الخليفة، كما كان واضحاً له ما وراء القصد من اعتراض زوجته، لقد أغضبها أنْ تجد امرأةّ ضعيفة نفسها في هـٰذاالموقف، مع أنَّه لمْ يُغضب السّيدة الأولىٰ، حرم أمير المؤمنين، بنت الخليفة، وأخت الخلفاء، الّتي استشعرت حجم الأمانة الّذي عُرضت علىٰ السّماوات والأرض فأبين أنْ يحملنها، وحملها زوجها: عمر ابن عبدالعزيز، وكان ردّها عليه يومئذٍ: "بل أختارك عليه وعلىٰ أضعافه".

استيأس الزّوج منْ محاولة تفسير عمل الخليفة، وقد علم أنّه لا يستطيع استخدام القاموس المُحيط، وقاموس النّساء لا يحيط بعلم مفرداته أحدٌ حتَّىٰ هنّ، كان دائماً ما يتعجّب من معجم النّساء، وكيف تأخذ المصطلحات فيه تعاريف ومعاني لم يسمع بها من قبل إنسٌ ولا جانٌّ، وفكّر في مشروع معجم يشرح الكلمات لُغةً واصطلاحاً ونساءً، ومع ذٰلك سوّلت له نفسه أنْ يعيد الكرّة، إنّ النَّفس لأمّارةٌ بالسّوء، وحاول أنْ يُعيد تفسيرّ الأمر بكلمات لم يُتمَّهُن: "هو لم يأخذ ذهبها لنفسه، بل لبيت مال المسلمين..." قاطعته بحدّة وهي تقطّب ما بين حاجبيها: "ليس من الرّجولة والمروءة أنْ تفرض علىٰ امرأةٍ لا حول لها ولا قوّة اختياراً كهـٰذا"

بلع لسانه وريقه معاً وحوّل عيناه قِبَلَ التّلفاز مستسلماً لقدر ‎ﷲ وعناد زوجته، لقد حوّلت لتوّها خليفة علاّمة فقيهاً عابداً زاهداً إلىٰ صعلوك من الصَّعاليك عديم الرّجولة والمروءة، ضداً عن كُتُب التاريخ وأصحاب السّير وأعلام النّبلاء! فعلت ذٰلك وتاء التأنيث ساكنة، فكيف يكون إذاصارت متحرّكة!؟ فهل أصابت امرأةّ وأخطأ بدر بعد عمر؟


إذا أعجبك الحال وراقك المقال وطاب لك المقام، فاضرب كفًّا بكفٍّ دليل الإعجاب، وافترش بساط المتابعة في صدر الحساب.