جاء موسم الانتخابات، وبدأت الأحزاب في تجهيز بضاعتها، كُلُّ حِزْبٍ بمَا لَديْهِمْ فَرِحُونَ' سوقٌ تباع فيه الوعود والأوهام الكاذبة، وتُشترىٰ فيه الضَّمائر والأصوات والذِّمم، موسمُ النَّميمة والشَّتيمة، وموعدٌ لشنِّ معارك بحدِّ اللِّسان بين أصحاب الدَّكاكين السِّياسية تُطيُّر العقول لا الرؤوس، نسمع جعجعةً ولا نرىٰ طحيناً، ثمّ ينفضُّ السُّوق وليس فيه إلاَّ رابح واحدلا شريك له: الاستبداد.

اِعلم أيُّها المصوِّت عفاك ‎ﷲ بأنَّك لن تنال البِرَّ -ولا البُرَّ- بمشاركتك في هٰذا الموسم، لأنّ الأمر بيد السَّلاطين لا بيد الدَّكاكين المسمَّاة أحزاباً، فالسُّلطان هو الآمر النَّاهي الذي بيده مقاليد كلِّ شيء، الحاكم بلا شرطٍ أو قيد، المُنزَّه عن كلِّ نقد، فانتقاد الذات السُّلطانية أشدُّ وأنكىٰ من الوقوع في الذّات الإلٰهية، ودونك الشّوارع والمقاهي والأسواق حيث يُسّبُّ الربُّ جهارًا نهارًا من غير أن تُحرِّك السُّلطة ساكناً، وكثيرٌ من رجالها لعَّانون، ومن غوىٰ فيُعلّق على مشانق الفضائح الجنسية جزاءً وفاقاً.

واعلم يارعاك ‎ﷲ أنَّما المحافظة علىٰ بدعة الانتخابات ليس لأنّ صوتك ذا قيمة، أو لأنَّ نيَّة السُّلطة سليمة، بل لأنَّها تحتاج إلىٰ أحزاب من ورق وزعماء من قشٍّ يحملون أوزارها إلىٰ أوزارهم، ويكونون بينهم وبين النَّاس وِجَاءٌ يتَّقون به سوط نقمتهم، فالأحزاب هم أصلُ كلِّ شرٍّ، والسُّلطان ينبوع كلِّ خير، فما أصابك من خير فمن السُّلطان، وما أصابك من شرٍّ فمن نفسك.. والحكومة، وكل انتخابات جديدة هي بمثابة ستارة جديدة تُدَرِّقّ بها السلطة علىٰ حقيقة قديمة وهي أنَّ السُّلطان هو المعطي المانع، ألا ترىٰ أنَّ له الفضل وحده في نجاح كلِّ مشروعٍ وإن لم يُسهم فيه سوىٰ بضربة مقص أو طرقة مطرقة!؟ لكنَّ السَّحرة يسحرون أعين النّاس بإعلامهم، يلبسون الحقَّ بالباطل ويكتمون الحقَّ وهم يعلمون.

حتَّٰى الخطباء علىٰ المنابر تمَّ إلحاقهم بجوقة المطبلّين التي تنتظم في كورال متكامل ومتناغم، وقد صادف عيد العرش هٰذا الموسم يوم الجمعة، فجاءت الخطبةُ سياسيَّةٍ تُعارض النَّهج العام لوزارة الأوقاف ألّا تُخْلَط السِّياسة بالدِّين، لكنَّه يوم من أيَّام الوطن الخالدة، وَكَيْلُ المديح للحاكم فيه مستحبٌّ إن لم يكُن واجباً، بَيْدَ أنَّ الخطيب تحمَّس وجمحت به حميَّة الجاهلية، فانبرىٰ ينتقد النِّظام الجزائري ويشمَتُ فيه نافلةً له، ولو تفوَّه بشيء والعلاقات بين الجارين الشقيقين في تبات ونبات، لَاُعْفِي من وظيفته ولو كان يشنِّع علىٰ الحركة القبائلية مُروقَها، وقد ضحِكتُ بضع مرَّاتٍ أثناء خطبة الجمعة لطُرفةٍ يلقيها بعض الظُّرفاء من الخطباء، لَكنَّها كانت أوَل مرّة أضحك فيها علىٰ الخطيب شخصياً غفر ‎ﷲ لي وله.

أصبحنا لا ندري هل نحن مواطنين أم أشباه مواطنين؟ أم مجرد قطيع يتبع راعياً مأجوراً عند سيِّد غريب، تناقض غريب يجعل من المغرب بلد التَّناقضات لا بلد الاستثناءات، تلك الخرافة التي قال عنها المهدي المنجرة في كتاب الإهانة في عهد الميغا امبريالية: (الشَّيء الذي نُخطئ فيه دائماً بالمغرب -وأنا أعتبره عجرفة وأنانية- هو أنَّ بلدنا ليس كباقي بلدان العالم، وهكذا أقيمت حملة دعائية لم يسبق لها مثيل أساسها هو "المغرب أجمل بلد في العالم"، نجدها فيCNN والجزيرة، وقبلها كانوا يتحدَّثون عن استثنائية المغرب، فهو ليس كباقي الدُّول الإسلامية ولا كباقي الدُّول الأفريقية، والمغرب ليس كباقي دول المغرب العربي ولا كبقية دول العالم العربي… الآن يجب أن ينتهي هذا الاستثناء في التَّحليل، التَّحليل الشُّمولي ضروريٌّ)، انتهىٰ كلام المؤلّف.

المهدي المنجرة كعلامة ثقافية مرجعية هو بمثابة نعوم تشومسكي العرب والمسلمين، وبالتَّالي فهو يشكِّل عيِّنة فاضحة للتَّناقض وانفصام شخصية النِّظام الَّذي يريد التَّقدم من غير أن يخطو خطوة واحدة، وأن يتطوَّر من غير علم، كيف تريد اقتحام المستقبل من غيردراسات مستقبلية يشهد العالم كلّه بعلو كعب الدكتور المنجرة فيها؟ ولذلك فنحن حقيقةً لانعلم إن كنَّا نتقدم أم نتأخر، بنية تحتية تتطور يوما بعد يوم، وبنية فوقية (فكرية وعلمية وأخلاقية) تتراجع ساعة بساعة، مشاريع اقتصادية عملاقة يقابلها زيادة الفقر والفاقة، مع ارتفاع راية البِطالة خفَّاقة، وعندما تنظر إلىٰ غلاء أسباب المعيشة الفاحش، وتقابله بمتوسِّط الدَّخل الفردي الَّذي لا يكاد يُرىٰ بالعين المُجرَّدة، يتجلَّىٰ لك التَّناقض في أبهىٰ حُلَّة.

هناك حالةٌ من الغشاوة تتكاثف باستمرار علىٰ عيوننا وعقولنا لتفقدنا التَّركيز ثمَّ التَّمييز، بلدٌ يصرُّ القائمون علىٰ أمره بأنَّ قرونه قد نمت من جديد وعاد لمناطحة الكبار، مع العلم بأنَّ أجداد الَّذين يتشدَّقون اليوم بمثل هذا الحديث هم الذين "كَتَّفوا" البلد وسلَّموه لمن كسر له قرونه، تقريباً لا زالت البنية الفاسدة المفسدة التي كانت قبل الاستعمار تمارس دورها من غيرأن تصاب بالشيخوخة أو ينال منها مكر اللَّيل والنّهار، بنية مضادَّة لعوامل التَّعرية، خلية فيروسية تعيش علىٰ خلايا كائنات أخرى، ولها القدرة علىٰ التطوُّر -لا التّّطوير- وإعادة إنتاج نفسها في سلالات متحوِّرة، تماماً مثل كورونا.

عندما زرت قصر الباهية بمراكش الحمراء قبل سنوات لم أتعجَّب من مهارة وحرفية الصَّانع المغربي قدر تعجبي من فساد الصدر الأعظم أحمد بنموسى المعروف ب (با حماد)، والذي أنفق الغالي والنّّفيس في تشييد قصره المنيف، في الوقت الذي كانت البلاد تعيش ظروفاً جدُّ "مكفسة" حذت بالسلطان مولاي الحسن الأوَّل إلى أن يستفتي علماء فاس في جواز فرض ضريبة أخرىٰ علىٰ المواطنين المثقلين بالضرائب ليتمكن من سداد القروض الأجنبية التي تركت الخزينة قاعاً صفصفاً، نفس الرجل أخفىٰ خبر وفاة السلطان حتىٰ يُرتِّب بيت الحكم يكون له فيه الصدر ولو من وراء ستار، فكان أن أجلس علىٰ العرش أصغر أبناء السُّلطان الحسن الأول وهو المولىٰ عبدالعزيز ذي الأربعة عشر عاماً وقتئذ، حتىٰ يُصبح الوصيَّ علىٰالعرش والقادر عليه، وانتخب بلاطاً من الوزراء والقياد الفاسدين الذين لهم قدرة عجيبة على استنساخ أنفسهم عبرالعصور، حتَّىٰ إنك لتكاد تقسم أنَّ حاشية المولىٰ عبدالعزيز هم لجنة المشروع التنموي الجديد.

انتشر الفساد في البر والبحر، ونتن "شواري" الدولة بسبب حوتة خانزة اسمها "باحماد"، وفسدت الوزارة والإدارة والجيش وهزُلت الدّولة وبان من هُزالها كُلاها، ومن أمثلة الفساد (أنَّ بوحمارة ابتدأ ثورته من قبيلة الحياينة المجاورة لمدينة فاس حتَّىٰ قطع الطَّريق بين فاس وتازة، ثمَّ خرج إليه جيش الحكومة من مدينة فاس يرأسه الوزير المدني الكلاوي وأخوه التهامي الكلاوي والمهدي المنبهي المكلَّف باقتصاد الجيش في حروبه ضد أبي حمارة، وانتصر جيش الحكومة في أوّل موقعة بقبيلة الحياينة، لكنه نُهِِيَ عن مطارة الفلول المنهزمة،وأُعطيت له الأوامر بأن يولّي وجهه جهة جبالة للسَّلب والنَّهب بقيادة المهدي المنبهي كما هومذكور في كتاب تاريخ الزعيم مولاي أحمد الريسوني، واشتغل الجيش الحكومي بالنًَّهب والسَّلب في قبائل جبالة في حين انطلق بوحمارة بفلوله المهزومة واحتلَّ بها مدينة وجدة حيث عُقِدت له البيعة)، انتهىٰ كلام المولِّف.

لماذا لم يطارد الجيش الحكومي فلول بوحمارة؟ نجد الاجابة في فصل آخر من فصول نفس الكتاب يصف نهاية فتنة بوحمارة بالقبض عليه بعد سُباعيةٍ سوداء قضت على خمسة أسداس الجيش المغربي: (وهكذا أقيمت الحفلات والشَّعب المغربي في فرحة، والخونة تتقطَّع أفئدتهم وتتمزَّق أحشاؤهم، ولم يجد الوزير المدني الكلاوي صبراً حتَّىٰ أخذ بيد القائدالنَّاجم، وجعل يماشيه ويسايره خطوات في دارالمخزن وهو يقول له: تعديت يا ناجم، وجعل يكرِّرها مراراً فقال النَّاجم: وبماذا يا سعادة الوزير؟ فإن كنت تعديتُ في رأيك فإنَّني تائب بين يديك فما ذنبي؟ فقال له بإلقائك القبض علىٰ هذا الرَّجل، يقصد بوحمارة، ثم أضاف: إنَّ هٰذا الرَّجل الذي نحن معه -يقصد السُّلطان مولاي عبدالحفيظ- رجل غدّار، وقد كنا نراوغه بهٰذا الرَّجل، والآن قضيت علينا بإلقائك القبض عليه…

لا يوجد ما يمكن التَّعليق به في هٰذا الباب بأجود ممَّا قاله صاحب كتاب "التَّاريخ المفترىٰ عليه: (ولولا خيانة الدَّاخل التي أغرت دول الاستعمار في فترة ما بعد موت السلطان مولاي الحسن الأوَّل رحمه ‎ﷲ ما تعرّض المغرب إلىٰ فرض الحماية التي عجّل بها أمثال العبّاس الفاسي وعبد‎ﷲ الفاسي وعبدالكريم بنسليمان ومحمد الجبَّاص وغيرهم من ليس هٰذا مجال فظائعهم).