دخل التسعيني داره التي لا يسكنها معه سوىٰ خيالات أولاده الذين كبروا واتَّبعوا السُّبل فتفرَقَّ بهم عن سبيله، لقد ماتت زوجته عن قريب بعدما أصرَّت ملائكة السُّلطة علىٰ إدخالها المشفىٰ لتشفىٰ من أعراض الكورونا، فخرجت منه عروساً إلىٰ الجنّّة، وظلَّت تظلِّل بالأنس وحدته قطّة سوداء كأنّها إبريقٌ تكفّس بالسُّخام من طول تنقلّه بين الكانون والمجامر، وكان اسمها ريحانة، لقد عادت به دورية الدّرك لتوّه من المستوصف حيث أخذوه ليعطوه نصيبه من زكاة الّلقاح ضدّّ الفيروس المتوّج: الامبراطور كوفيد التّاسع عشر، لقد أشفقوا عليه من فقرالمناعة وقهر الفيروسات وسوء الكِبَر، والسُّلطة ذات قلب رهيف مثل الرّغيف، تخاف علىٰ الرَّعية أن تُصيبها قارعة الفيروس بعذابٍ، فقامت تبعث إلىٰ النَّاس في القرىٰ والحواضر رُسُلاً مُبشِّرين ومُنذرين، يرأسهم أحياناً القائد شخصيا حتَّىٰ تلين قلوبهم ووهو يذكِّرهم بفضائل اللقاح، ويُعدُّد لهم محاسنه، وبأنّه بدعةٌ حسنةٌ، وبأنَّ أمير المومنين أوّل الملقِّحين.

دخل إلىٰ باحة الدّار الرّحبة وقد صُبغت فأسبغت عليها النِّيلة زُرقةً صيَّرتها بَحْراً يبساً، ثمَّ انتزع رَزَّته وهو يقعد علىٰ إحدىٰ الدُّكّانتين* علىٰ جانبي الباب الخشبي وأنفاسه تتلاحق كموج البحر، جلس يتأمل شجرة الليمون المباركة المرقية بريق شرفاء دار الضمانة الوزَّانيِّين، وقد بسقت في روض ممتد إلىٰ جوار سور الدَّار العظيم، وسط شتائل الحبق والقرنفل والياسمين، كانت ريحانة منكمشة علىٰ الدُّكَّانة الأخرىٰ، قامت لقعوده ومطّت جسمها بقوّة حتىٰ انخسف ظهرها وعاد كالعرجون القديم، ثمّ قفزت إلىٰ حجره وهو تقول: لقَّحوك آلسِّي المختار!؟

قال باستخفاف: وكيف لشيخ مثلي أن يقول لا، ثلاثةٌ لا هزل معهم في الحلِّ وفي الحُرُم: البحر والنّار والمخزن، سيعدُّونني من مساخيط السّلطان، وربّما لن يستطيع أولادي دفني بدون دفتر التَّلقيح.

أسند ظهره إلىٰ الحائط وأغمض عينيه ثمَّ أردف قائلًا: قريباً سيصبح التَّلقيح حُكماً بالبراءة، ومن لم يتلقَّح فهُوَ مُتَّهمٌ لا تبرأ ذمَّته حتَّىٰ يأخذ إبرته..

صمت قليلاً ثمَّ أضاف: أليس عجيباً أنْ يكون وراء استفحال الحال خُفَّاشٌ لعين لا يخرج من كهفه إلاَّ ليلاً!؟

رفعت القطّة رأسها نحوه مستغربة وهي تقول: كيف تلعنُ منْ عَلِمَ ‎ﷲ صَلاَتَهُ وتَسْبِيحه؟

هزَّ رأسه بلا مبالاةٍ بحركةٍ لا شرقية ولا غربية لم تُميِّز القطَّة فيها حقّاً من باطل! استفزّّها بروده فقفزت من حِجْره إلىٰ الأرض وهي تقول محتدَّة: إنَّكُم يا بني البشر ترون أنفسكم خيرَ الكائنات وأرقىٰ، وأنَّ الحيوانات شرُّ مكاناً وأشقىٰ، والحال أنّكم أجدر من الحيوان باسمه..

انتفض السِّي المختار فجأةً بطريقةٍ أجفلت القِطَّة ورفع طرف جلبابه ليمدَّ يده إلىٰ جيب سرواله القندريسة ويستخرج منه منديلاً أكل عليه الدَّهر وشرب، وقَوْزَةً* فضيَّةً بطنها واسعٌ ورأسها ضيِّق سُدَّت بعُودٍ كالقُمْقُم، أكملت القطَّة كلامها بعد أن ذهب عنها الرَّوع فقالت: بل وأقول إن الإنسان الذي سخَّرنا ‎ﷲ لخدمته -اللهم لا اعتراض- لم يبلغ في رُقيّه مراتب الحيوان الذي أسلم وجهه لله، فعرف قدره ودوره فلم يتجاوزه إلىٰ ما لا يحلُّ له، أمّّا أنتم فتكبَّرتم وتجبَّرتم ونشرتم الفساد في البرِّ والبحر.. وها أنتم تُحمّلون الخفّاش وزر العدوىٰ وهو بريءٌ منها براءة الذّئب من دم ابن يعقوب..

كان السَّي المختار قد التقط القَوزة بيمناه وطفق يطبطب علىٰ قاعدتها بسبّابته لتستفرغ مابجوفها علىٰ طرف يسراه من الرُّسغ إلىٰ الإبهام وهو يقول: لقد قيّض الله لنا قرناء من الشَّياطين من حيثُ يروننا ولا نراهم، يزَيِّنون لنا أعمالنا.. تعالىٰ صوت حماره المربوط إلىٰ شجرة الإجاص وراء السُّور ناهقاً: إنِّي أراهم السِّي المختار، أجابته القطّة وهو تسارع الخطو كأنّها تهرب من قضاءٍ مُستعجل: لأنَّك حمار، ثمَّ توارت وراء اللّيمونة في الوقت الذي كان فيه السّي المختار يضع القوزة جانباً ويقوّم بصفَّ مسحوق الطّابة* ذات اللون الزّيتي الغامق بخنصره فيجعل منه خطّاً لا ترىٰ فيه عِوَجا ولا أمتاً، كانت قطَّته تراقبه من وراء الشّجرة المباركة وهو وينقضُّ علىٰ خطِّ الطَّابة بأنفه مستنشقاً إيَّاه من أوّل السّطر إلىٰ آخره بين مدٍّ وجزر، واحمَرَّت عيناه من القيظ، ثمَّ عطس عطسةً عظيمةً طيّرت عصافير الليمونة التي كادت أن تفقد أوراقها، وساد الباحةَ سكون المقابر قطعه السي المختار متنهِّداً: الحمد لله، ثمَّ ضرب بالمنديل يمسح غبار انفجار منخاريه، وخرجت القطَّة من مكمنها وهي تقول : يرحمك ‎ﷲ، كان قد أغلق عينيه المبلّلتين من النّشوة ومال برأسه يوكئه علىٰ الحائط مسترخيا، وعادت القطَّة إلىٰ حِجْره وهي تسأله: هل للطَّابة نفحات حتىٰ سميتموها التَّنفيحة؟ قال: وأيُّ نفحات وقد انتعشتْ من شذا عبيرها العروق، واعتدل من طيب نسيمها المزاج، تّغسل العيون بمائها، وتشفي الصدور من أنوائها، وتزيد الطِّباع وداعة، وتقوّي جهاز المناعة إلىٰ قيام السَّاعة، فتُغني عن اللَّقاح بلااحتجاج، بها الوقاية وفيها العلاج.

لم تعُد القطَّة لسؤاله بعدما استشعرت تلك النَّفحات في طيّات كلماته فأغمضت عينيهاواستسلما لنوم عميق.


الدُّكَّانة: مصطبة مبنية من الحجر أو الآجور

القوزة: تُگمگم القاف في النُّطق، وهي قارورة من البلاستيك أو المعدن على شكل ليمونة، تستخدم لحفظ الطَّابة.

الطَّابة: هي الخمر في اللغة، وتُطلق في المغرب على التبغ المطحون الذي يتم تعاطيه بالأنف، وربّما كانت أصل كلمة Tabac بالفرنسيةTobacco بالانجليزية وتعني التبغ.