بعد التَّحية والسَّلام،

وصلنا لزمان لا نحسن فيه التحيَّة، ولا نعرف فيه السَّلام، وإنْ كان السَّلام الشَّامل والعادل هو ‎ﷲ تبارك وتعالىٰ، وما دونه بضاعةٌ مجزاةٌ، فالتَّاريخ البشريُّ سلسلةُ حروب متواصلة، والسَّلام مجرَّد استراحاتٍ واستعداداتٍ لمزيدٍ من الحروب، بعضها تقوم بدعوىٰ إحلال السَّلام!

ومن أكثر الإشاعات رواجاً -وصدقاً-تلك الَّتي تقول بأنَّنا أُمَّة فاشلة.. في الحرب والسَّلام، ولاداعي عزيزي القارئ لأن تتقصَّىٰ أثر الرِّواية فهي صحيحةٌ متناً وسنداً، فنخبنا السِّياسيَّة هم عباقرةُ الفشل، رسلُ التخلُّف وأربابُ الخلاف.. ولا فخر، وبدلاً عن ذلك تستحق أنْ تعرف أنَّ "السَّلام" الذي يعمُّ مجتمعاتنا "المحافظة" حوله خلاف، ربما يكون الأمر صادماً للغافلين قبل المحافظين، كذلك كنَّا فمنَّ ‎ﷲ علينا، غير أنَّ الواقع يقول بأن السَّلام المستشري بين النَّاس اليوم ليس سلاماً علىٰ نهج السَّلف الصَّالح، ولنأخذ المغرب مثلاً -ولله المثل الأعلىٰ- فكلَّما قابل أحدهم صديقاً أو قريباً فَارَ عندهما تنُّور المشاعر وأصابتهما نوبةٌ حادَّةٌ من الحنين والشَّوق، فأخذا بعضهما بالأحضان وتبادلا تقبيل الخدود مثنىٰ وثُلاث ورُباع وكأنَّهما لم يريا بعضهما من دهور، وقد كانا بالأمس سويَّةً في حفلِ ختانِ قريبٍ، ولكل منطقة من ربوع المملكة الشريفة عددٌ معلومٌ من القبلات وفق ترتيب دقيق لا يبغون عنه حولاً، فأهل الشَّمال يفردون يميناً ثمَّ يُثنُّون يساراً، وفي مناطق أخرىٰ يقبِّلون الخدود مثنىٰ مثنىٰ، فإذا تقابل اثنان من منطقتان مختلفتان تخاصما في "السّلام"!

في خضم المعارك اليومية مع الجهل والمرض والفقر والظُّلم والاستبداد يجد المغاربة -والمشارقة- فرصةً"للسَّلام" عند لقاء بعضهم البعض، فيتعانقون ويسلِّمون علىٰ بعضهم سلامَ مودّع، وليس المغاربة بدعاً من باقي الأمة، كلَّها في "السَّلام" سواء، الفرق في الشَّكل وحسب، فأهل الخليج يؤثرون الأنوف علىٰ الخدود، وهٰكذا… فالنَّاسُ في السَّلام عند اللِّقاء مذاهبٌ، ولا مذهبٌ منها يوافق مذاهب أهل السُّنَّة والجماعة، فما موقف المذاهب الأربعة من المعانقة والتقبيل إذا اِتَّحد الجنس؟

باستثناء الحنابلة الَّذين ذهبوا إلىٰ الجواز مطلقًا إذا كان إكرامًا واحترامًا لأجل الدِّين لا لأجل الدُّنيا، فإنَّ الحنفية والمالكية يرون الكراهة مطلقًا، وقد كرَّه مالكٌ المعانقة كراهة تنزيهيَّة لأنَّها من فعل الأعاجم، وما أكثر ما سيُكَرِّهُ الإمامُ مالكٍ تنزيهاً إذا بعثَه ‎ﷲ في زماننا تارةً أخرىٰ، في الوقت الَّذي ذهب فيه الشَّافعية إلىٰ سُنِّيَّة ذٰلك للقادم منْ سفرٍ أو الغائب غيبةً "مهديَّةً" وكراهيته في غير ذلك. وأجمعت المذاهب علىٰ إفشاء السّلام والمصافحة عند اللّقاء.

وعوداً علىٰ بدءٍ، يتبيَّن لنا بأنّّ فشلنا في الحرب والسَّلام ليس علىٰ مستوىٰ العلاقة مع العدوِّ البعيد وحسب، بل ينسحب كذلك علىٰ العلاقة مع الحبيب القريب، إننَّا فاشلون في "السَّلام" بيننا عن جدارة واستحقاق، تركنا سلامنا الذي اِشْتُقَّ منه اسم الإسلام لنتبنَّىٰ سلام الأعاجم الذي لا يمنع حرباً ولا يصنع سلاماً.. والسَّلام عليكم ورحمة ‎ﷲ بركاته.