قفا نبكي ذكرىٰ حبيبٍ ومنزلِ..

افتتح بها امرؤ القيس معلّقته الشهيرة وقوفاً علىٰ الأطلال التي انتشرت كالبرص في بلادنا إلىٰ جانب شواهد القبور، ودنّست تراب أرضنا أقدام العلوج من إفرنجة وروم، حتىٰ مسجد الحبيب المُصطفىٰ ﷺ دنَّسته أقدام اليهود، فيا لثارات قُريش، وتحالفات قُرَيْش، وعواصف قريش، وإيلاف قُرَيْش، وتطبيع قُرَيْش، في الشِّتاء والصَّيف، لَمْ يشأ الملك الضّليل أن يُطبِّع مع قتلة أبيه، وقطع علاقاته مع اللٌَحم والخمر والدّهن والنِّساء حتَّىٰ يثأر لدم أبيه المسفوح، وتلك أشياء أدمن عليها ملوكنا المغضوب عليهم والضّالون فضاع البشر والحجر واستبيح العرض والأرض، لقد كرّس حياته في طلب الثَّأر وعدم مهادنة القتلة أو التّطبيع معهم، فمات غريباً، لكن عاش اسمه مشهوراً في العالمين، فطوبىٰ للغرباء، يقول الرُّواة إنّْه لمَّا وصل أنقرة وقد اشتدَّ ‏عليه المرض، رأىٰ قبر اِمرأةٍ مدفونة في سفح الجبل، فسأل عنها، فأُخْبِر قصَّتها، فأنشد من عذب شعره وأصدقه:

أجَـارَتَنـا إِنَّ الخُطُـوبَ تَنـوبُ وإنِّـي مُقِيـمٌ مَا أَقَـامَ عَسِيـبُ

أجـارَتَنـا إنّـا غَرِيبَـانِ هَـاهُـنَا وكُلُّ غَرِيـبٍ للغَريـبِ نَسِيـبُ

بعد إصابته بداء الجدري حمل امرؤ القيس لقب ذي القروح، وورثت العرب ذاك اللَّقب كما ورث داوودَ سُليمانُ، أُمَّةُ ذات قروح وجروح تنزف جهلاً وفقراً وذُلاًّ وهواناً علىٰ النّْاس، وبئس المصير.

لو قُدِّر لامرئ القيس أنْ يكون شاهداً علىٰ العصر لما تأسَّف علىٰ دفنه في بلاد التُّرك، طابت مرقداً ومَقاماً، فقد صار النَّاس يهربون إليها من مصر وشام، وحتىٰ من نجدٍ وحجاز بعد أن ساءت مُستقرّاً ومُقاماً، لقد صارت أموالهم مشاعاً للجنة مكافحة الفساد، التي أنشأها الإستبداد، ولو قُدِّر لذي القروح -ونحن أولى باللقب- منه- أنْ يُدفن في الجزيرة لحمل علىٰ كتفه نعشه وولَّىٰ مُدبراً وَلَمْ يُعقِّب، فهو لا يأمن أن يُهدم قبره وقد هُدمت بيوت الصحابة والتابعين، وهاهو حصن خيبر يُبْنىٰ من جديد باسم جديد: "نيوم".

من مُعجزات دين التَّطبيع الجديد رحلة الإسراء من المسجد الأقصىٰ إلىٰ المسجد النَّبوي بالمدينة المنوَّرة، قام بها صهيوني اسمه بن تزيون اللعين، بعد أنْ تجاوز أحراساً إليها ومعشرا، والحقيقة أنُّه قد أُسْرِي به إليها بعدما أخرج رسول ‎ﷲ ﷺ أجداده منها لخيانتهم العهد، وكان وليُّ العهد مسؤولاً.

قال الأصمعي: "ما رأيت خمسةً مِنَ العلماء قطُّ وإلَّا أربعةٌ منهم يُقدِّمون امرؤ القيس"، وما رأيت عصابة من الأمراء الوزراء إلاَّ وكلّهُم يُقدِّمون السُّديس، ينزلونه علىٰ منبر رسول الله ﷺ كجلمود صخرٍ حطَّه السَّيل مِنْ عَلِ، فصار خطيب المسجد الحرام بلسان ملوك الإجرام، وقبل بضع سنين غضب السُّديس مِنَ الإساءة لنبِيِّ الإسلام ﷺ،فارتقى منبر المسجد الحرام، وقد امتشق سيف الكلمات مِنْ غمد المعاني، ولبس درع البلاغة والبيان، فحمد ‎ﷲ وأثنىٰ ‏عليه، وشنَّ غارة الوعيد علىٰ مَنْ تجرَّأ علىٰ الإستهزاء بمقام النُبوَّة بمُنجردٍ قيد الأوابد هيكل، ووجَّه الإنذار تلوالإنذار، مُقبلٍ مُدبرٍ معاً، ورفض قبول الإعتذار، ودعىٰ إلىٰ إنزال أقسىٰ العقوبات علىٰ المُستهزئين، وطالب بمُحاكمة أعداء الدِّين، واتَّهم الغرب بازدواجية المعايير، فخرَّ الغرب صَعِقاً!

لَقَدْ أُتيت سؤلك يا سُديس، إمامٌ برتبة وزير، وراتبٍ فظيع، وقصر منيع، جزاء التَّطبيع، وتحوَّلت الخُطَبُ خُطوباً، فالرَّئيس العام، لشؤون المسجدالحرام والمسجد النَّبوي لَمْ يَعُد يغضب، فلا ينال العُلا من طبعه الغضب، فليُؤذِّن نتنياهو في النَّاس بالحجِّ، وليُرمىٰ الشَّيطان بالورود، فرمي الجمرات إرهابٌ، كما أطفال الحجارة إرهابيون، وآخرُ قولي مثل ما قلتُ أوَّلِ: قفا نبكي ذكرىٰ حبيبٍ ومنزل.