حين أعود كمبدع بذاكرتي إلى الموقف المؤثر الذي فتّق موهبتي في الكتابة للأطفال وألهمني معرفتها ودعاني لتطوير مهاراتي الإبداعية ... لا أذكر لذلك زمانا ولا مكانا ولا موقفا محددا غير زمان الدنيا ومكانها وأحداثها المتناقضة، ومواقفها المتعددة، وقوتها القاهرة العنيفة القاسية في أحيان كثيرة تتجاوز هذا الكائن البشري الضعيف الذي هو الكاتب المبدع لحكمة أعلى وتدبير أكمل ...

خروجه للدنيا، تفاعله مع الحياة والإنسان والكون، في صراع الخير والشر في تناقضات الحياة ...

يُتْمُ المبدع وما انجرّ عليه من تضخّم لاحتياجات الطفولة المستمرة في التكاثر ومع تكاثرها تبقى معلّقة تنتظر ... سقوط ذلك الدّرع الذي يوفّر الأمان والسعادة للطفل سقوطا أبديّا، تمرّ الأيام ولا شيء يتغيّر ... عواطف طفولة أساسيّة لا يتحقق لها الإشباع ... لا يزال القلم اليوم يتحرك معبرا عنها تبدو في مختلف الصور؛ تبدو في حمامة في السماء الصافية، في فراشة ملونة بين المروج الحانية، تبدو في الرعود في البروق في الكواكب والنجوم، تبدو في مخلوقات جديدة، في عوالم أخرى بعيدة ...

كل ذلك شكل لديه موهبة تندفع اندفاعا كشلال هادر يأبى إلا أن يخرج للنور مهما وُضع في وجهه من حواجز، يخرج من أعماق المبدع، ليرسم بالحرف أحلاما، وينسج بالكلمة أشواقا، ويُعبّر بالجُمل والمشاهد عن قناعات وأفكار يراها هي الأنسب لهذا الطفل ...

زمن الكتابة، ثانية الكتابة تلخص أحداثا زلزلتْ ورجرجتْ هدوء ذات المبدع في يوم ما، لا يشعر معها بنفسه إلا والقلم في يديْه يخط به خطوطا لا يعلم هو نفسُه مآلها وكيف تصنع جمالًا أخّاذا ...

منذ بكور أيامي وأنا أشعر أنني خُلقتُ في هذا الكون لأكتب للأطفال، كلّ الأطفال ... لأكون أبا لهم، لأخدمهم، لأترك لهم كوكبا من الصفاء، إرثا كبيرا جدا وأرحل، وأحرص على وقتي وأبخل به كثيرا ليكون هذا الإرث أكبر وأكبر، فتجدني أسابق الزمن وأطرق كلّ باب ... حتى أكون جديرا لأصير خادما لهم وخادما لخدّامهم عبر كلّ الزمن وكلّ المكان ...

أرى الطفل يبكي أيّ طفل، فأتجاوز الزمكان لأجد نفسي فيه ... داخله في أعماقه ... أتألّم لألمه، ولا أحيد عنه حتّى تفرّج كربته ويبتسم ... وفي ابتسامته أيضا أجد نفسي ... فأرتاح ...

أرى بدايات هذا الإنسان العجيب؛ الذي ملأ الأرض بأعاجيبه ... هذه البدايات التي هي مركز ثقله كله، تُكسّر كلّ القيود والحواجز، لا تعترف باللاممكن ... فتتيح لنا ككتّاب أن نحلم بكل حرية، أن يكون إبداعنا أسطوريا خرافيا عجائبيا ساحرا ... فنمسك القمر بأيدينا نكلم الوحوش، نركب الغيوم ... ونؤدي رسالة ...

نُبدع ونخترع في غير ملل ولا كلل ... إبداع في كلّ الواجهات، قصصي روائي مسرحي شعري ... ولكلّ المراحل الطفوليّة ... حتى وهو جنين في بطن أمه، نكتب له ... نداعبه بكلماتنا ونلاعبه ...

أليس أوّل المخترعين هم كُتاب كتب الأطفال؟ الذين حطوا برحالهم على القمر قبل حدوثه، واخترعوا السيارة والطيّارة قبل اختراعها ... وملايين المخترعات في حنايا كتب الأطفال، تنتظر إخراجها ...

ثم إنني حين أعود لكل هذه المكتسبات، وأنظر ليتمي القديم أقدّره وأقبّل رأسه شاكرا فضله عليّ وعلى آلاف الأطفال الذين يسعدون ويستفيدون حين كتاباتي يقرأون ...