مقدمة

تصعقنا الشاشات والصحف في عصر غلبة الماديات وشدة الزحام الذي نعيشه؛ بأخبار جرائم قام بها أطفال، أو اقتُرِفَتْ في حقهم[1] ...

وتأخذنا الحيرة؛ كيف للكائن البشري العاقل أن يصل لكل هذه الفظاعة ويقوم بكل هذه البشاعة؟؟ ...

وقد جاءت رسالة الإسلام الرحيمة –وهي لا تزال بين أيدينا- بتكريم الإنسان ورعايته رعاية سويّة وأحاطته بسدّ منيع، حتى ينشأ بعيدا عن الانحراف طفلا وشابا وشيخا، وللسنة النبوية في هذا الباب باع طويل عريض ...

محاربة الانحراف في مرحلة الجنين

قبل أن يُخْلَق:

أ) بأن يختار الوالديْن لابنهما الأب والأم الصالحة:

1- عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تُنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك".[2]

فقد أوصى النبيّ صلى الله عليه وسلّم الرّجلَ إذا أراد الزّواج أن يختار "ذات الدين" لعلمه أن ذات الدين لوحدها كفيلة بأن تُنتج للمجتمع جيلا صالحا قويّا بعيدا عن الانحراف، وذلك لتمسّكها بصلاحها وصبرها وسلوكها الحسن ...

2- عن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخُلُقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد".[3]

وأوصى النبيّ صلى الله عليه وسلّم المرأة وأهلها أن يختاروا من الْخُطّاب الرجل الصالح لعلمه أن صاحب الدين والخُلُق وحده كفيل بأن يُنتج لنا أسرة وأبناءا صالحين ...

وطبعا بما أن المسؤول الأول عن الطفْل هو مجتمع الكبار وعلى رأسه: الأسرة "أبواه"؛ فقد نبّهت ووضحت السنة النبوية هذه الحقيقة والقاعدة الكونية التي تُحدد المسؤوليات منذ بداية حياة الإنسان على هذا الكوكب، حيث تُوضِّح أن الأسرة هي المصدر الأول والأساسي لأيّ انحراف مُحتمَل الوقوع عند الطفل-الإنسان:

- روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها جدعاء"[4]

ويمكن أن يُقاس على هذا الحديث "انحراف الأبويْن"؛ فإذا كان الأب مجرما أو سكّيرا أو مقامرا ... وإذا كانت الأم عاهرا أو لا تستحي أو سكّيرة بدورها أو سارقة ... فكيف بالأطفال وسطهما وهم لا حول لهم ولا قوة؟ ...

ولكنْ بالتأمل في لطف الله وسنّة التّدافع الكونيّ نلاحظ أنه ليس –بالضرورة- كل أسرة مفككة تُنتج لنا طفلا منحرفا، وليس–بالضرورة- كل أسرة صالحة تُنتج لنا طفلا صالحا ...

ومع ذلك يظلّ دور مجتمع الكبار وعلى رأسه الأسرة في رأس هرم المسؤولية عن انحراف الأطفال. يؤكد "هوير" (Heuyer) من خلال بحث أجراه في مدينة باريس سنة 1942 أن 88% من الأحداث المنحرفين هم من أسر مفككة [5].

لقد آن الأوان للوالديْن أن يعْلما أن دورهما لا ينحصر فقط في توفير الأكل والشراب للأطفال، بل لهما أدوار أكبر من ذلك بكثير:

- "فإنّ لأهلك عليك حقا"[6].

حق حسن التربية والتوجيه والقدوة الحسنة هو في نفس درجة توفير الأكل والشرب.

وتبعا لقاعدةِ شمولية السنة النبوية وصلاحها لكل زمان ومكان وحالٍ؛ فقد تتبّعتِ الكائنَ الإنسانيّ بالرعاية قبل خلْقه، وجنينا، وعند ولادته، وبعد ولادته، وفي كل مراحله الطفولية المبكرة والمتوسطة والمتأخرة وبداية المراهقة ...

مرحلة الجنين:

ب) النسب الصحيح حلٌّ للانحراف:

1- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر"[7] فالحقّ في النسب الطبيعي من أبِ الْجنين وأمه اجتمعا زوجيْن بعقد زواج حلال على سنة الله ورسوله، من أولويات حقوق الطفل على والديْه وعلى المجتمع برمّته. وقد شدد الرسول الرحيم صلى الله عليه وسلم في أمر النسب فقال: "وللعاهر الحجر" لأن الأم الحامل ترتكب جُرما عظيما في حق جنينها الذي تحمل به في رحمها عن طريق الزنا. قال النووي: "وقوله: "وللعاهر الحجر" أي للزاني الخيبة والحرمان، والْعَهَرُ -بفتحتين- الزنا، وقيل يختص بالليل، ومعنى الخيبة هنا حرمان الولد الذي يدّعيه، وجرت عادة العرب أن تقول لمن خاب: "له الحجر وبِفيهِ الحجر والتراب" ونحو ذلك، وقيل: المراد بالحجر هنا أنه يرجم."[8]

إن آثار الزنا على الأجنة آثار مدمّرة؛ ما ذنبهم في فقد السند وحنان الأب ووجوده؟ ... ضف لذلك انحرافات الإجهاض أو ترك الوليد بعد ولادته في أماكن عامة أو خالية، في أشدّ الحالات عنفا قتْله والتّخلّص منه، ضف لذلك انحرافات اختلاط الأنساب ... وما ينجر عليها من انحرافات جانبية تتمثل في الأمراض الجسمية والنفسية والعقلية التي ستظهر فيما بعد كفقدان الثقة وخطر الانفصام والعدوانية والانعزال والقلق ... حتى وإن نُسِبَ الجنين إلى أمّه (في إطار قوانين الأمهات العازبات[9] اليوم) لأنه سيخالف القاعدة الاجتماعية بنسب الأجنّة إلى آبائهم الطبيعيين ... فكان بالتالي الإغلاظ في عقوبة الزنا (الجلد والتغريب للبكر، والرجم حتى الموت للمتزوّج، مع فضحهما بحضور طائفة من المؤمنين عذابهما) مناسبا لعِظَمِ الْجُرْمِ في حق هذا الإنسان (ذكرا وأنثى) الذي سيقضي كلّ حياته في ألم متواصل ...

فالسنة النبوية بالتالي توجب أنْ يتوفر للجنين الفراش الدافئ بالمحبة الفطرية بين الأب والأم الواضحيْن المعروفيْن المجتمعيْن بعقد شرعي في الحلال على سنّة الله ورسوله، والأسرة المتكاملة، البعيدة عن الانهيار الخلقي، وانعدام القيَم، وفقدان المُثُل العليا ... المؤدية بشكل مباشر إلى الانحراف منذ بداية طريق الإنسان في هذه الحياة الدنيا ...

ت) تحصين الجنين من الانحراف بالدعاء:

1- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله، قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا. فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبداً" [10]. والذي لا يضره الشيطان أبدًا يسلم في دينه ويسلم في أخلاقه، ويكون من عباد الله الذين قال فيهم: ﴿إِنّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاّ مَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ[11].

2- والاستمرار في تعويذه بكلمات بعد الولادة: وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعَوِّذُ الحسن والحسين، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوّذ الحسن والحسين، ويقول: "إن أباكما كان يعوّذ بها إسماعيل وإسحاق. أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة" [12].



[1] - ولعل آخر هذه الأخبار ما وقع في شتنبر 2020م للطفل عدنان بوشوف؛ ذو الإحدى عشر سنة، ابن مدينة طنجة شمال المغرب حيث وقع تحت الخطف والاغتصاب والقتل والردم ... وأثار الخبر ضجة وغضب داخل المغرب وخارجه.

[2] - صحيح مسلم. كتاب الرضاع. باب استحباب نكاح ذات الدين. (رقم الحديث 1466) من كتاب: شرح النووي على مسلم. دار الخير – ط. 1416هـ 1996م

[3] - سنن الترمذي – كتاب النكاح. (رقم الحديث 1085).

[4] - صحيح البخاري كتاب الجنائز باب ما قيل في أولاد المشركين.

[5]- قضاء الأحداث. زينب أحمد عوين. ص 32. ط. 2009م – دار الثقافة، عمان.

[6] - صحاح الأحاديث فيما اتفق عليه أهل الحديث. الضياء المقدسي تحقيق: د. حمزة أحمد الزين. ج.8 (الحديث رقم: 34308) – دار الكتب العلمية بيروت لبنان.

[7] - فتح الباري على صحيح البخاري. للحافظ ابن حجر. (ت 852هـ) كتاب الفرائض باب الولد للفراش – دار الريان للتراث. (ط. 1407هـ 1986م).

[8] - المرجع نفسه.

[9] - "سجلت وزارة الصحة بالدار البيضاء 5000 حالة ولادة في السنة، من كل 5 ولادات نجد اثنين غير شرعيتين عدا تلك التي تحصل في البيوت إضافة إلى حالات الإجهاض. أعمار هذه الفئة المتوسطة 26 سنة، وفق دراسة أعدتها منظمة الأمم المتحدة بمشاركة منظمات مغربية غير حكومية بنفس المدينة" (المركز العربي للمصادر والمعلومات وثائق بتاريخ 6/2005)

[10]- أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الدعوات، (الحديث رقم 6388).

[11]- الحجر - 42.

[12]- أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب أحاديث الأنبياء، (الحديث رقم 3371).