مرحلة الطفولة المبكرة

الطفولة المبكرة: وهي المرحلة الواقعة بين الولادة حتى 6 سنوات، ويقال لها: مرحلة ما قبل التمدرس، وهي أحرج مرحلة في حياة الإنسان على الإطلاق من الناحية النفسية كما أكّد ذلك علماء النفس –لحد الآن-، "يشير الأطباء النفسيين إلى أن سوء العلاقات الأولية المبكّرة في حياة الطفل مسؤولة عن كثير من الشخصيات السيكولوجية التي لم تنشأ بطريقة سويّة أو طبيعية وذلك لأنهم لم يعيشوا علاقات اجتماعية وعاطفية أولية"[1]

وفي السنّة النبوية طبعا يبدأ المولود حياته:

- في دفء أسرته.

- بالاستماع للأذان في أذنه اليمنى.

- وإقامة الصلاة في أذنه اليسرى.

- ويُحَنَّكُ فمُه بتمرات.

- ويسمّى الاسم الجميل الحسن (وقد نهى القرآن الكريم عن التنابز بالألقاب لخطورة أمرها وانعكاساتها النفسية) ...

- ويولَم لاستقباله فَرَحًا وسعادةً بحفل عقيقة.

- ويُخْتَن الطفل الذكَر.

- وينشأ نشأة سويّة تحفُّهُ العناية والرّعاية ومشاعر المحبة والحنان والرحمة والعطف وحسن التوجيه والتربية الصالحة ...

وتبدأ مع كل ذلك التربية الدقيقة جدا على أسس غاية في المتانة، يحفظ بها المولى سبحانه الكائن الإنساني الضعيف من كلّ انحراف ممكن:

أ) الانحراف الناشئ من تعارض القول مع العمل:

1- ودليله عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: "دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا، فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ؟ قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْرًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كَذِبَةٌ[2] ".

ب) الانحراف الناشئ من الحرمان العاطفي:

1-ودليله ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قبَّلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبّلتُ منهم أحدا. فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "من لا يَرحم لا يُرحم"[3]

ت) الانحراف الناشئ من التسلّط:

1- ودليله ما رواه أبو مسعود البدري قال: كنتُ أضرب غلاما لي بالسوط فسمعتُ صوتا من خلفي: "اِعْلَمْ أبا مسعود" فلم أفهم الصوت مِنَ الغضب قال: فلما دنا مني إذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يقول: "اعلم أبا مسعود اعلم أبا مسعود" قال: فألقيتُ السّوط من يدي فقال: "اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام" قال فقلت: لا أضرب مملوكا بعده أبدا."[4]

ويُلْحق بهذا عدم التسامح، والإسراف في العقاب وإلحاق الأذى الجسمي والمعنوي منْ: ضرب ولوم وتوبيخ وتخويف وترعيب ونعت بالنعوت ونبز بالألقاب ... لأنّ كلّ ذلك يؤدي لنتائج سلبية وانحرافات شتى وتفتيق قسوة القلب التي لا ينفع معها أي نوع من العقاب بعد ذلك، يقول شمس الدين الإنبابي: "ولا يُكثر عليه الملامة في كل وقت، فإنه يُهَوِّنُ عليه الملامة، وركوب القبائح"[5]

ث) الانحراف الناشئ من الانشغال عن الأبناء وعدم تعليمهم وتأديبهم:

1- كما في حديث عمر بن أبي سلمة يقول: "كنت غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا غلام، سَمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ ممّا يَليك" [6]

2- ومنه حديث أبي سعيد الخدري أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مرَّ بغلامٍ يسلَخُ شاةً فقال له: "تنَحَّ حتَّى أُريَك فإنِّي لا أراك تُحسِنُ تسلَخُ" قال: فأدخَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدَه بينَ الجِلْدِ واللَّحمِ فدحَس بها حتَّى توارَتْ إلى الإِبْطِ ثمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "هكذا يا غلامُ فاسلَخْ".[7]

ومن يتأمل في القاعدة الذهبية: "تنحَّ حتى أريَك" يجد فيها دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى التعليم من خلال تجارب عملية في واقع الحياة ...

ج) الانحراف الناشئ عن عدم العدل بين الأبناء:

1- ودليله ما رواه النعمان بن بشير أنه قال: إن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نَحَلْتُ ابني هذا غلاما كان لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكلّ ولدك نحلتَه مثل هذا؟" فقال: لا"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فارجعه"[8]

ح) الانحراف الناشئ عن حرمانه من اللعب:

الحاجة للعب والملاعبة والمداعبة والشقلبة والخروج للحياة وملامسة الطبيعة بكل شسلاعتها وتنوعها ... في مرحلة الطفولة المبكرة حاجة جارفة تقع في أولوية الحاجات بعد الحاجات الجسمية المعروفة؛ لذلك فقد أوْلَتْها السنة النبوية عناية خاصة.

1- ودليل ذلك لعب النبي صلى الله عليه وسلم مع بناته وحفيداته وحفيديْه الحسن والحسين؛ روى أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يأخذني فيُقعدني على فخذه، ويُقعد الحسن على فخذه الآخر، ثم يضمهما، ثم يقول: "اللهم ارحمهما فإني أرحمهما."[9]

2- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'يا ذا الأذنيْن"[10]

وداعب النبي صلى الله عليه وسلم أبناء الصحابة رضي الله عنهم ودليله ما داعب به النبيّ صلى الله عليه وسلم أخا أنس الصغير رضي الله عنه قال: إن كان النبي ﷺ ليخالطنا، حتى يقول لأخ لي صغير: "يا أبا عُمَيْر، ما فعل النُّغَيْر"[11]



[1] - ظاهرة جنوح الأحداث وطرق علاجها – دراسة تحليلية. د. محمد صالح محمد الدرازي. – كلية التربية جامعة سها ليبيا.

[2] - سنن أبي داود. كتاب: الأدب باب: في التشديد في الكذب. (رقم الحديث: 4341)

[3] - فتح الباري على صحيح البخاري. للحافظ ابن حجر. (ت 852هـ) كتاب الأدب باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته – دار الريان للتراث. (ط. 1407هـ 1986م).

[4] - شرح النووي على مسلم. كتاب: الإيمان. ج. 3 (حديث رقم 1659) دار الخير – ط. 1416هـ 1996م

[5] - من مجلة: دراسات دعوية. العدد7 – 2004م أساليب معاملة المراهق في الإسلام. د, محمد إسماعيل حنفي.

[6]- أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الأطعمة، حديث رقم 5376.

[7] - صحيح ابن حبان.

[8] - شرح النووي على مسلم. كتاب: الهبات. باب: كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة. ج. 3 (الحديث رقم 2316) دار الخير – ط. 1416هـ 1996م

[9] - صحيح البخاري. كتاب الأدب - باب: وضع الصبي على الفخذ. (الحديث رقم: 5657)

[10] - مسند الإمام أحمد. جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن ج11 (الحديث رقم: 1713)

[11] - صحيح البخاري. كتاب الأدب - باب: الانبساط إلى الناس (الحديث رقم: 5778)