منذ الحظة لميلاد يجد كل طفل –منا- نفسه أمام نظام معقد وهائل وعملاق يتحدى إدراكه الكلّي ويدعوه للقيام بمحاولات حثيثة لفك رموز وشيفرات ذاته من جهة وفي علاقته بالمواضيع الشديدة التنوع الخارجة عن ذاته الواصلة إليه عبر مختلف حواسّه (السمع، البصر، النطق...) من جهة أخرى، والكون كتاب كبير مليء بالشيفرات والرموز تستفز هذا النظام الكائن فيه وتُحركه، مباشرة مع ميلاد هذا الكائن، تدعوه ليقرأه، ليفهمه، ليتعامل معه ... ويستمر هذا الاستفزاز حتى وفاته.

فالصغير حين يلتصق بأمه وتلتصق به، فإن نظامه الداخلي لا يزال يقرأ كل جزئية من جزئيات معانيها محللا إياها شيئا فشيئا، حرفا فحرفا من خلال ذلك الاتصال المستمر بينهما في مختلف مراحل عمره جنينا ووليدا ورضيعا وفطيما ... إنها الصفحة الأولى من كتاب الكون الكبير هذا، والْمُطالَب من هذا الصغير أن يبذل مجهودا ليقرأها بعمق، في انتظار أن يقرأ باقي صفحات الدنيا!

وفعلا لا يزال الصغير يُفعِّلُ: "مسارات القراءة والفهم" لديه يتفحّص صورة أمه المقبلة والمدبرة عليه؛ تلامسه وترعى حاجاته (الجوع، العطش، البراز ...)؛ يفرز معناها عن باقي المعاني الأخرى التي بدأت تتراكم على هذه "المسارات" داخل مخه، مستعمِلا مختلف عملياته الإدراكية العقلية والنفسية الداخلية الناشئة ...

وفي مرحلة طفولته المبكرة جدا؛ وفي محاولات متكررة ودؤوبة منه يضبط لسانه ليُخرج به من خلال حركاته "العشوائية" منظِّما ومنظِّما أكثر تلك الأصوات المختلفة لجهازه الصوتي مستعملا الصراخ والمناغاة ثم التهجي، حتى يتوصل أخيرًا للنطق الصحيح والسليم لتلك الكلمة: (ماما) التي تحدّد المعنى واضحا ...

وتأتي هذه الكلمة أو "مجموعة الأصوات" هذه تتويجا للقراءة الكلية والجزئية (أو الجزئية والكلية) للمعاني الغير منطوقة يقوم بها المخ لصفحة كونية تتصل مباشرة به عنوانها الصوتي: "ماما" ...

وهكذا يستمر يبحث ويجرب ويتدرب على المنظومات الصوتية للمعاني الكثيرة الأخرى المنهالة في عقله الناشئ، أثناء تفاعله مع باقي صفحات الكون، يتعلم نطق أسمائها، وبين الاسم والاسم هناك ملايير الأسماء التي لا تزال لم تكتشف بعد؛ فمثلا بين اسم (الفرح) واسم (الحزن) هناك آلاف المعاني ودرجات الإحساس بالشعور (تتعدد بتعدد الأجزاء المئوية لزمن تغير هذا الإحساس) آلاف الحالات التي تبيّن درجات الاختلاف بدقة لا تزال أسماؤها غائبة عن الفكر البشري (مثلا):

حزن --------- ؟؟؟ -------- ؟؟؟ ---------- فرح

وقس على ذلك الفراغات الهائلة بين كل اسم واسم في هذا الكون! حروف يحولها الطفل باستخدام آليات عقلية معدة مُسْبَقًا لذلك (وعلّم آدمَ الأسْماءَ كُلَّها)، لكلمات ثم لجمل اسمية وفعلية يربط بينها بحروف ... تيسر له الكشف عما يريده أو يُعبّرُ بها عمّا يفكر فيه فيزيد من تفعيل محصلته اللغوية بتوالي الزمن وتوسع دائرة الاتصال عنده، فتتطور مداركه العقلية وتشتد أعضاؤه اللغوية إلى أبعد الحدود تصير معها اللغة عنوانا للتفكير، والتعبير عن هذا التفكير.

ليصل –بعد ذلك- إلى قراءة رسم الألف (أ) مع أقرانه برياض الأطفال وهو ابن خمس سنوات أو أقل ... هذا الألف سيمثل الانطلاقة الصاروخية في تعلمه اللغة التي ستفتح أمامه آفاقا جديدة في اكتشاف كل من ذاته ومحيطه، وآفاقا أخرى في التعبير عنهما، لم تكن متاحة له قبل ذلك ...

نعم سيشعر الصغير بالرضى –رغم تعب التحصيل- الرضى الكبير وهو يؤكد ذاته أو أناه حين يقول: " أنا أمشي" بعدما كان يحبو، " أنا أقرأ" بعد أنْ لم يكن قارئا ... وهكذا في لذائذ متتالية تزيد من تيسير عملية التعبير الداخلية، والخارجية لديه وشعوره الحقيقي بذاته، وعملية تحقيق تواصل أكثر مع محيطه؛ كلما حقق شيئا جديدا عبّر عنه. وعُزِّز وشُجع من طرف محيطه الأسري خاصة! ما يدفعه لبذل مزيد من الجهد لتعلم اللغة ...

في هذه الأثناء يبدأ الطفل يستوعب المفهوم الحقيقي للكتاب الموجَّهِ له؛ حيث يعلم شيئا فشيئا أنه ليس كومة من الأوراق وضعت له كي يمزقها أو يطأها برجله ونحو ذلك، وإنما يأخذ مدلول كلمة ( كـ تـ ـا ب) معناه الحقيقي تدريجيا ليدلّ على: مجموعة أوراق بين دفتين، تُساعده سطورها ورسومها على تعلّم هذه اللغة، التي بها يفهم عالمه الداخلي والخارجي. كلمة فكلمة ومعنى فمعنى في متتالية معرفية في تسلسل تصاعدي لا ينتهي، تتحداه، ثم تقول له في آخر المطاف:

- هات ما عندك، أفِدْ غيرك كما استفدْتَ أنت!