فتنت طريقة نقل اللغات للمعلومات بطرق مختلفة اللغويين وعلماء الأنثروبولوجيا وعلماء النفس لعقود من الزمن. فخلال الأربعينيات، نشر مهندس كيميائي يدعى بنيامين لي وورف “Benjamin Lee Whorf” ورقة بحثية في مجلة MIT Technology Review. ادّعى في ورقته البحثية -التي سرعان ما انتشرت آنذاك- أن طريقة تعبير اللغات عن مفاهيم مختلفة -مثل الجنس والوقت والمكان- تؤثر على طريقة تعامل المتحدثين بها مع العالم. على سبيل المثال، إذا افتقدت لغة ما اصطلاحات لوصف أوقات محددة، فلن يفهم متحدثوها معنى (جريان الوقت – Time flowing).

وفي حين وجد الباحثون اليوم أن هذه النتيجة تبالغ في تأثير اللغة على أذهاننا، لكن هذا لا ينفيّ أنه يمكن لعادات الحديث (وهي إحدى انعكاسات اللغة) أن تؤثر على تفكيرنا بطرق أخرى.

تكشف اللغات الأربع التالية كيف يمكن التعبير عن المعلومات بطرق مختلفة للغاية، وكيف يمكن لهذا الاختلاف أن يؤثر على نظرة المتحدثين بها للعالم.

اللغة التي لا تكون فيها محورًا للكون

يُعد متحدثو اللغة الإنقليزية (ومعظم اللغات الأخرى: حتى العربية!) أنانيون للغاية عندما يتعلق الأمر بالاتجاهات. لنتخيل أنك تودّ من أحدهم أن يقف إلى جانبك، فما الذي ستقوله؟ “هل يمكنك أن تقف عن يميني/يساري؟”، أليس كذلك؟

ينطبق ذات الأمر على توجيه أحدهم لمكانٍ ما: “سِر بخطٍ مستقيم، ثم انعطف يمينًا.. إلخ”، وغالبًا ما تقصد بكلمة “يمينًا” يمينك أنت! بالنسبة لقبيلة من السكان الأصليين في شمال كوينزلاند ، أستراليا، وتُدعى Guugu Ymithirr، فلا وجود لكلمات مثل “يساري/يميني/أمامي” فيما يخصّ الاتجاهات. بدلاً من ذلك، يستخدمون أسماء الاتجاهات الأساسية للتعبير عن المعلومات المكانية. فبدلاً من “هل يمكنك الانتقال إلى يساري؟” سيقولون “هل يمكنك الانتقال إلى الغرب؟”

يفسّر عالم اللسانيات (Guy Deustcher) تصرّفهم هذا بأن لديهم نوع من “البوصلة الداخلية” نشأت داخلهم في سن مبكرة للغاية. وبنفس الطريقة التي يتعلم بها الأطفال الناطقون باللغة الإنقليزية استخدام الأزمنة المختلفة عندما يتحدثون، يتعلم أطفال تلك القبيلة توجيه أنفسهم عبر اتجاهات البوصلة. أظهرت الدراسات أن المتحدثين باللغات التي تستخدم الاتجاهات الأساسية للتعبير عن المواقع لديهم ذاكرة مكانية ومهارات توجيه رائعة.

لغة يتدفق فيها الزمن من الشرق إلى الغرب

درس عالما اللسانيات ليرا بوروديتسكي من جامعة ستانفورد وأليس غابي” Alice Gaby” من جامعة بيركلي (Kuuk Thaayorre: اللغة التي يتحدث بها أهالي منطقةPormpuraaw). وعلى غرار أفراد قبيلة Guugu Ymithirr آنفي الذكر، يستخدم أهالي Pormpuraaw الاتجاهات الأساسية للتعبير عن المواقع. لكن ما يميز لغتهم حقًا هو تأثير ذلك على ترجمة المتحدث للوقت.

في سلسلة من التجارب، طلب الباحثان من بعض أفراد تلك المنطقة ترتيب بطاقات تُظهر صورًا تمثّل التقدّم في العمر (إحداها لرجل عجوز، وأخرى لطفل تمساح، والأخيرة لشخص بالغ يأكل موزًا). وذلك بعد أن أجلسوهم على طاولات مختلفة: إحداهنّ تواجه الجنوب، والأخرى تواجه الشمال. وبغض النظر عن الاتجاه الذي كانوا يواجهونه، رتب جميع المتحدثين البطاقات من الشرق إلى الغرب – وهو نفس الاتجاه الذي يمر به مسار الشمس عبر السماء مع مرور اليوم.

في حين رتّب المتحدثون باللغة الإنقليزية -الذين أُجريت عليهم نفس التجربة* البطاقات من اليسار إلى اليمين دائمًا (وهو الاتجاه الذي يقرأون فيه). بالنسبة للمتحدثين في Kuuk Thaayorre، كان مرور الوقت مرتبطًا بشكل وثيق بالاتجاهات الأساسية. يقول بوروديتسكي: “لم نخبر أحداً أبدًا أي اتجاه كان يواجهه، بل عرفه تلقائيًا واستخدمه -بشكلٍ عفوي- لبناء تمثيلاته للوقت.”

لغة حيث الألوان مجرد تشبيهات

يرى البشر العالم من خلال طيف معين من الضوء، ووفقًا لبعض خبراء اللسانيات، تحتوي جميع اللغات على مجموعة من مصطلحات الألوان المحددة التي تقسم طيف الألوان المرئي. إما إلى (ألوان محددة مثل “الأسود-الأبيض-الأحمر” أو إلى ألوان دافئة وباردة) وذلك بحسب نظرية “مصطلحات الألوان الأساسية” التي ابتكرها عالم الأنثروبولوجيا برنت برلين “Brent Berlin” وعالم اللغة بول كاي ” Paul Kay” في عام 1969. لكن هذا لا ينطبق على لغة جزيرة Rossel قبالة الطرف الشرقي لبابلو غينيا الجديدة: Yélî Dnye!

في عام 2001، نشر ستيفن ليفينسون “Steven Levinson”، الباحث في معهد ماكس بلانك لعلوم النفس اللغوية، ورقة بحثية في مجلة الأنثروبولوجيا اللغوية تدحض نظرية برلين وكاي وذلك بالاعتماد على لغة “Yélî Dnye”. حيث ذكر أن الأخيرة تختلف تمامًا عن بقية اللغات في البلدان المجاورة، حيث تقتصر على مصطلحات محددة للألوان، ولنكون أكثر دقة: لا يوجد مرادف لـكلمة “لون” في لغة Yélî Dnye. بدلاً من ذلك، يستخدم سكان الجزيرة مصطلحات لونية مشتقة من أسماء الكائنات في بيئة الجزيرة.

على سبيل المثال، لوصف شيء ما بأن لونه أحمر، يقول سكان الجزر بأنه “mtyemtye”، وهو مصطلح مشتق من كلمة “mtye” أو (الببغاء الأحمر). مثال آخر كلمة mgîdîmgîdî -والمُستخدمة لوصف (السواد)- مُشتقة من كلمة “mgîdî” والتي تعني (الليل). ليس ذلك فحسب، ولكن قواعد اللغة في الجزيرة تعزز هذا الميل المجازي، فإذا أراد أحد سكان الجزيرة وصف رجل بأنه من أصول أوروبية، قال “بشرة الرجل بلون الببغاء الأبيض”.

اللغة التي تُجبرك على تقديم أدلة على كلامك

في نويفو سان خوان (مدينة في جمهورية البيرو)، يتحدث السكان الأصليون لغة (Matsés) والتي تحرص في قواعدها على التأكد من كل معلومة وقت الكلام. تتبع كل جملة منطوقة نموذجًا مختلفًا للفعل بناءً على كيفية معرفتك للمعلومات التي تنقلها، ومتى عرفت آخر مرة أنها صحيحة.

على سبيل المثال، إذا سألت أحدهم: “كم تفاحة لديك؟” سيجيبك: “كان لدي أربع تفاحات في المرة الأخيرة التي قمت فيها بفحص سلة الفاكهة”. وبغض النظر عن مدى تأكد المتحدث أنه لا يزال يملك تلك التفاحات الأربع، إذا لم يتمكن من رؤيتها، فلن يكون لديه دليل على صحة قوله (فماذا لو سرق لصٌ ما 3 تفاحات؟ حينها ستكون إجابته غير صحيحة!).

تحتوي اللغة على مجموعة كبيرة من المصطلحات المحددة للمعلومات مثل: الحقائق التي تم استنتاجها في الماضي القريب/البعيد، والتخمينات حول أوقات مختلفة في الماضي، والمعلومات المُعاد سردها من الذاكرة.

كتب عالم اللسانيات ديفيد فليك “David Fleck”، من جامعة رايس الأمريكية، أطروحة الدكتوراه عن قواعد لغة (Matsés)، حيث يقول فيها ” إن ما يميز لغة (Matsés) عن اللغات الأخرى التي تطالب المتحدثين بتقديم دليل على ما يقولونه هو أنها تتضمن مجموعة أفعال لمصدر المعلومة ومجموعة أخرى لنقل مدى صحتها من عدمه، إضافة لمدى تأكد الشخص ذاته من المعلومة.”

ومن المثير للاهتمام، أنه لا توجد وسيلة للإشارة إلى ماهية المعلومة (هل هي إشاعة؟ أم أسطورة أم تاريخ). بدلاً من ذلك، ينقل المتحدثون هذا النوع من المعلومات كاقتباس أو كمعلومات تم استنتاجها في الماضي القريب.