في هذا الوقت من كل عام ننتظر هطول البركات.. هطول أعظم الخيرات.. لينمو الزرع.. وينتشر السلام..
كانت الجدات تؤمن بفكرة "الزردة" وأنها قربان لنزول الغيث!
من أبرز معالمها يا إخوان .. تجمع ربات البيوت وكل أطفال الريف .. في أرض بور!
لِتُعِد النساء المسنات طبق "العيش" وهو نوع من العجائن
يجتمع الحضور مجموعات مجموعات حول "ثمنية العيش" هي بمثابة الصحن الخشبي السميك..
تحرص المسنات على أن يتناول الجميع..
بعد الانتهاء .. يفرغ الأطفال لصنع "بوغنجة" وهو دمية من قصب .. يحمله أحدهم ويلوح به في السماء.. والبقية يلحقونه وهم يرددون بأعلى الأصوات :

"بوغنجة حرك راسو يا ربي تروي ناسو..
بوغنجة لابس لحرير وأحمل يا واد لكبير..
هاذي بيت سيدنا تعطينا وتزيدنا..
السيار فوق الدار يا ربي قوي لمطار..
هاذي بيت بلا برنوس.. ربي يهديها بعروس..
هاذي بيت بلا شرية.. ربي يهديها بولية..
النعجة تمشي وتراعي.. يا ربي سرد الراعي..
النعجة تمشي وتشوف يا ربي عيش لخروف.."
وهم يرشون "بوغنجة" بالماء حتى يصلوا إلى "المزارة" وهي مكان في رأس الجبل ! يمكن القول أنها ضريح لوالي من الولاة!
عرف في زمانه بالصدق والصلاح! يجتمعون عنده ويشعلون الشموع وهم يطلبون المطر؟؟
طلب الرزق.. طلب الغيث.. طلب النجاح.. طلب المستحيل.. فقط من الله عز وجل..
لماذا الوسيط؟ لماذا الطرف الثالث؟ وأنت بامكانك أن تناجي الله في قيامك وقعودك.. في صلاتك وسجودك.. في كل مكان وزمان..
حبس الله عنا الغيث لتفشي العقوق ، المنكر ، الرذائل ، الحسد ، وشتى أنواع المحرمات..
انه يبتلينا لنعود.. لنتوب.. لا لنبتكر أساليب للتواصل معه! ونغوص في آثامنا..
وحتى الساعة أردد على مسامع جدتي أن "الزردة" و "سيدي فلان" بِدع وشرك وغيرها
لتقول لي بكل استهزاء:" من بكري وحنا نديروها جيتوا نتوما حرمتوا كلش"
أعلم أن رأيها جبل ولن يزعزعه ريح...
فقط أريد إلقاء كل كلمات الشكر لك أيها الفلاح.. فأنت إبن الأرض.. تحرثها.. تداويها.. تزرعها.. تغذيها.. وتطمع أن يكون حصادك بقدر الجهد الذي وضعته فيها..
ألف سلام .. ألف احترام.. لكل فلاح وهب حياته ليطعمنا ويسقينا..
يا حبات المطر جودي على أرض أجدادي.. سامحنا يا الله على أخطائنا التي لا تعد ولا تحصى.. وارحم أرضا نالها العطش..