اتسمت السياسية الخارجية الإيرانية بعد تاريخ 1979 ، أي بميلاد الجمهورية الإسلامية صاحبة المرجعية الشيعية ، بطابع عقائدي بحث ، عمودها ولاية الفقيه ، وهدفها نشر الثورة وقيادة العالم الإسلامي . سياسة خلقت لنفسها جوار متوتر ، خاصة مع الدول الخليجية وصلت إلى حد دخولها في حرب مع العراق لثماني سنوات عرفت بحرب الخليج الأولى ، كان الرابح فيها خاسرا ، ناهيك عن علاقاتها ذات الطابع المتشنج مع المملكة العربية السعودية والحال نفسه في علاقاتها مع بعض القوى الكبرى غلى المستوى الدولي وهو ما زاد من حصارها وعزلتها .

وضع تفطنت له النخبة الدينية في إيران، التي رأت أن نظامها السياسي في خطر ، خاصة مع الوضع الاقتصادي المنهك الذي أفرزته الحرب مع العراق ، التي ألقت بظلالها على الحياة الاجتماعية للمواطن الإيراني والتي كانت من بين الأسباب التي أطاحت بالشاه فيما سبق ، فكان لابد لها من إجراء بعض الإصلاحات في السياسة المنتهجة من قبل القيادة الإيرانية ، إذا أرادت استمرار الجمهورية الإسلامية .

هنا تبلور اتجاهان أحده يدعو إلى الاهتمام بالشؤون الداخلية لإيران والعمل على تقديم تجربة إسلامية ناجحة على جميع المستويات ، واخر يرفض إعادة بناء إيران على حساب شعارات الثورة وأهدافها ، والاهتمام بشؤون المسلمين في العالم ، وهذا دون المساس بثوابثها والتي تأتي في مقدمتها ولاية الفقيه كأساس لمبدأ الحكم في إيران . 

هذه الأفكار التي كانت تدور في الداخل الإيراني تزامنت مع جملة من التغيرات سواء على المستوى الدولي ، ببداية نهاية نظام الثنائية القطبية ، الفترة التي تبنت فيها إيران شعار "لاشرقية ولاغربية " ليأتي انتخاب الهاشمي رفسنجاني ليعطي النور للأفكار الإصلاحية التي تدور في الساحة السياسية ، فارتبط اسمه بعملية البناء ، والانفتاح على الغرب في سياسته الخارجية خلال توليه الرئاسة لعام 1989فانتخابه كان بمثابة النقلة من خطاب الثورية والتشدد إلى خطاب البراغماتية والمصلحة الوطنية ، ومن ثم كانت الانطلاقة لبلورة الفكر الإصلاحي في إيران والذي صبغ التيارات السياسية في البلاد بين من يدعو إلى الانفتاح والحوار مع الحضارات وانتهاج أسلوب أكثر مرونة ، وبين متمسك بكل ما أفرزته الثورة الإسلامية خاصة فيما يتعلق بعلاقاته مع الغرب والتي تأتي في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية ، والمصنفون في الأدبيات السياسية بالمحافظين . والذين رفضوا في البداية هذا الواقع وهذا التصنيف لكن سرعان ما تأقلموا مع الأمر الواقع خاصة وأن الإصلاحيين باتوا قوة سياسية لايستهان بها ، تحظى بقاعدة شعبية معتبرة أصبحت لها مكانتها في إيران . 

وضعية دفعت بالمحافظين القبول بالوضع وإطلاق لقب الأصوليين على توجهاتهم دون الإغفال على أن هذا الأخير متمسك بالمؤسسات غير المنتخبة في إيران مع عالمها الخارجي وبمجرد انتخاب رئيس ينتمي لإحدى الفصيلين يتم التعرف على الوجه الذي تكون عليه إيران تجاه بيئتها الإقليمية والدولية على غرار الفترة التي حكم فيها الإصلاحي محمد خاتمي الرئاسة 1997ـ 2005 عرفت فيها إيران سياسة منفتحة لاقت مباركة غربية ومجاملات على مستوى التصريحات ليأتي انتخاب المحافط محمود أحمدي نجاد وسياسته المتشددة التي تطبعها لغة التصعيد إلى إحالة الملف النووي الإيراني على مجلس الامن وفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية عليها وممارسة التضييق عليها قبل أن يتولى الرئاسة مجددا الرئيس حسن روحاني المحسوب على تيار الإصلاحيين ويدفع بالمجتمع الدولي إلى إعادة النظر في علاقاته مع إيران //

انتخبت  إيران اليوم رئيسا جديدا , إبراهيم رئيسي المحافظ والقريب جدا من المرشد الاعلى علي خامنئي ، فكيف سيكون شكل السياسة الخارجية الإيرانية في تعاطيها مع العالم الخارجي  هل ستطبعها العدائية وحرب التصريحات ام ستكون البراغماتية السلوك المتبع من قبل إبراهيم رئيسي ومنه إيران خاصة في ظل المستجدات التي تعرفها الساحتين الإقليمية والدولية .

قلم : ياسمين شيرك