سيرته :

هو أبو العباس محمد بن محمد بن عثمان الأزدي. المعروف بابن البناء، حيث كان والده يشتغل بالبناء، (فلولا أبناء الفقراء لضاع العلم !). عالم و رائد رياضيات مسلم وموسوعي جليل، انتهل من شتى ينابيع العلوم والحكمة، من طب وفلك ورياضيات، و استقى من أريج الأدب والفقه والفلسفة، لكن مع هذا كله لم يستهو قلبه، و لم يجد ضالته إلا مع ملك العلوم : الرياضيات.
ولد ابن البناء سنة ( 654 ه - 1256 م) وبزغ نبوغه وهو طفل صغير بين عائلته المعروفة بالعددي، المتضلعة في العلوم الرياضية، لذلك كان يلقب أيضا بابن البناء العددي. فما كان له إلا أن يتخصص في العلم الذي أخذ بشغاف قلبه وعقله، لينطلق منذ صغره في رحلته العلمية الماتعة، بعزم أكيد وعقل رشيد، لا يثنيه عن هدفه الموسوم أمام عينيه، لا ملاهي الدهر و لا ملذات الحياة. بدأ رحلته العلمية على الطريقة المغربية العتيقة آنذاك، من الكُتاب، فبدأ بحفظ القرآن الكريم ليتفتق عقله و تتفتح مغاليق أفهامه، بدأ من مسقط رأسه من مراكش الحمراء، ليدرس مبادئ المعرفة، ثم شد الرحال بعد ذلك إلى فاس، ليستزيد في العلوم الرياضية، من حساب وجبر وهندسة، وليتضلع فيها على يد أساتذة أفذاذ خاصة : ابن مخلوف السجلماسي الفلكي، وابن حجلة الرياضي، حيث عرفت هذه الحقبة ازدهارا كبيرا و نشاطا منقطع النظير في الاهتمام بالرياضيات وتطبيقاتها.

وسرعان ما ظهر نبوغه واتقاد عقله في سن مبكرة. وبعد سنوات من الكد و المثابرة و الجلوس على موائد علم الرياضيات، و التي كانت تفتح نَهَم ابن البناء، حيث يحكى عنه أنه كان يشتغل بالعلم من بعد صلاة الصبح إلى قرب الزوال ! ما كان لنا إلا أن نجد أنفسنا أمام عالم فذ بلغ شأوا عظيما في مختلف العلوم، خاصة الرياضيات، حيث لقب ب : "ملك الر ياضيات في العصر الوسيط" و "إمام الرياضيات" و "الحسابي المشهور"، حيث تفوق على سابقيه من علماء الرياضيات المشارقة. و قد لاقى حظوة و تقديرا في بلاط الدولة المرينية بفاس، فعمل كأستاذ فذ بمدرسة العطارين، التي كانت تستقطب العلماء و طلبة العلم من مختلف أرجاء المغرب، حيث أسس مدرسة علمية معتبرة في العلوم، اشتغلت على مدى قرون بتدريس مؤلفاته وشرحها وتبسيطها ونقلها إلى العالم. كما خصصوا له كرسيا علميا لمكانته المتفردة، يلقي من خلاله دروسا في الحساب والجبر والهندسة والفلك وتبسيطها، مركزا في ذلك على الجوانب التطبيقية والعملية، التي تُعين الناس في شؤون حياتهم، كتقسيم المواريث و تحديد مواقيت الصلوات والصيام والحج، و استخلاص الضرائب وتشييد العمران.

كان ابن البناء وقورا، ترُى عليه هيبة العلماء، حسن السيرة، قليل الكلام، متقد العقل نبيها، متواضعا فاضلا، أنيق المظهر والمخبر، محبوبا عند الناس، صافي المعتقد، آخذا بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث شهد له بذلك أعلام كبار كابن خلدون وابن حجر العسقلاني، ولم ينكر فضله ومكانته حتى علماء الغرب، القدامى منهم والمعاصرون. فكان القدوة المثلى في الأخلاق و العلم.

إنجازاته :

لقد صنف ابن البناء الكثير من المؤلفات في مختلف ضروب المعرفة، لكننا سنقتصر على مصنفاته في علم الرياضيات و التي من أهمها : رسالة في الجذور - مقالات في الحساب : عبارة عن بحث في الأعداد الصحيحة والكسور والجذور والتناسب - تلخيص أعمال الحساب، والذي يعد أهم وأشهر مؤلفاته - رسالة في المساحات - الأصول و المقدمات في الجبر و المقابلة - مدخل إلى إقليدس : حيث شرح فيه بعض مفاهيم الهندسة الإقليدية - رفع الحجاب عن وجوه أعمال الحساب.


مخطوط لكتاب رفع الحجاب عن وجوه أعمال الحساب.


وقد برع ابن البناء في الحساب والعمليات الأربع، وقدم طرقا مبتكرة في كل عملية، كما أفاض في حساب الكسور المستمرة والجذور الصماء (الأعداد الحقيقية التي لا يمكن تبسيطها بإزالة الجذر ك 2√). و وضع قواعد لجمع مربعات الأعداد و مكعباتها، و شرح قاعدة الخطأين، كما طور "طريقة الخطأ الواحد" لحل المعادلات من الدرجة الأولى، وأعطى خوارزميات لإيجاد القيم التقريبية للجذور الصماء، والجذور المكعبة لبعض الأعداد، واشتهر باعتماده على الأرقام الهندية والأرقام العربية (كانت تسمى الأرقام الغُبارية حيث كانت تكتب على الغبار حتى يسهل محوها). كما شرح المتتاليات العددية، الحسابية والهندسية، وغير ذلك من المسائل الرياضية، و كان يقدم أمثلة تطبيقية عملية من الواقع. ومن بين ما اهتم به أيضا ما يعرف بعجائب الأعداد..

و كما هي عادة "سراق الحضارة"، نجد بعض الأفكار والنتائج التي توصل إليها ابن البناء من خلال بحثه العلمي، تمت سرقتها من بعض "علماء" الغرب، فنسبوها إلى أنفسهم، لكن تم كشفهم بعد ترجمة كتاب : "تلخيص أعمال الحساب" إلى الفرنسية من طرف المستشرق الفرنسي Aristide Marre.

و حديثا، اختار علماء الفضاء تسمية الفوهات البركانية على سطح القمر بأسماء العلماء الأكثر تأثيرا في الحضارة الإنسانية، تخليدا لذكراهم ولأعمالهم بما يعرف ب : craters on the Moon وليس غريبا أن نجد من بين هؤلاء العظماء، ابن البناء المراكشي، حيث احداثيات فوهة ابن البناء على سطح القمر كالتالي :
ابن البناء المراكشي 10.45 :: جنوبا 55.77 شرقا 8ً :: Al-Marrakushi  06، يبلغ قطرها : 8.57 km. للمزيد من التفاصيل، يمكنكم الرجوع إلى الرابط التالي :

https://en.wikipedia.org/wiki/List_of_craters_on_the_Moon:_A%E2%80%93B#A

فوهة ابن البناء المراكشي على سطح القمر.


توفي رحمه اللهّٰ ما بين 721 و 724 هجرية . رحل وفي قلوب محبيه لوعه، وفي عيون مفتقديه دمعه، مخلفا وراءه آثارا خالدة وتراثا علميا غزيرا ملهما وتلامذة نبهاء، استحالوا بعد ذلك علماء أفذاذ، ساروا على نهج خطاه، أشهرهم : عبد الرحمن اللجاني و أبو الحسن القلصادي. فرحم اللهّٰ الإمام ابن البناء، و جزاه عنا وعن ما قدمه للبشرية خير الجزاء.