سيرته :

هو شموائيل بن يهوذا بن آبونحيث و بعد اعتناقه للإسلام سُمي بالسموأل بن يحيى بن عباس، و اشتهُر بالسموأل المغربي. عالم و رائد رياضيات و موسوعي مغربي مبرّز، تضلع من مختلف ضروب العلوم و الحكمة، من طب و هندسة و رياضيات، و اغترف من مروج الأدب من شعر و بلاغة، و رغم موسوعيته المتبحرة، كان الحظ الأوفر من نبوغه خالصا للرياضيات.

ولد السموأل سنة ( 1130 م) بمدينة فاس، و بزغ نبوغه و هو طفل صغير، حيث كان الابن الأوحد لوالديه، و كان أبوه من أكبر حاخامات اليهود المغاربة، كما كان من كبار علماء الرياضيات بين الطائفة اليهودية بالمغرب. فما كان له إلا أن يسير على نهج خطى والده، خاصة لما أخذ حب الرياضيات بشغاف قلبه و عقله منذ نعومة أظافره، فتلقى تربية حسنة و تعليما جيدا، حيث أشرف والده على تعليمه اللغة العبرية و مبادئ اليهودية من التوراة و تفاسيرها، فأحكم تعلمها و اتقانها مع تمام السنة الثالثة عشرة، لكن والده كان نبيها حيث اكتشف موهبة ابنه و حبه للرياضيات، فوجهه باعتناء لتعلم الحساب، لينطلق منذ صغره في رحلته العلمية الماتعة مع الرياضيات، حيث وجد متعة و سعادة في موائد العلم و الاستطلاع تفوق سعادة اللعب مع أقرانه.

بدأ رحلته العلمية من فاس العتيقة، و التي ترعرع فيها و قضى فيها أجمل أيام طفولته، لتشد أسرته الرحال بعد ذلك إلى بغداد التي تربعت على عرش الحضارة الاسلامية لفترة ليست بالقصيرة. ما إن وصل السموأل إلى بغداد، سرعان ما نسي أعباء الرحلة و حنين الطفولة، حيث وجد ضالته من المراجع العلمية المعتبرة، فعكف على دراسة كتب الرياضيات و التي كان أهمها : كتاب الأصول لإقليدس و الجبر لأبي كامل شجاع و انشغل بكتاب البديع في الجبر للكرَخْي. و كان من أبرز أساتذته في علم الحساب : أبو الحسن الدسكري. فأتقن تلك العلوم و هو لا يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، ليتوج ذلك الزخم العلمي الهائل، الذي تراكم بكثرة الاطلاع و البحث و التحليل، بأهم مؤلف له و هو "الباهر في الجبر" و الذي أتمه و هو في التاسعة عشرة ! لكن إقامتهم ببغداد لم تدم طويلا، فقد انتقلوا بعد ذلك إلى "مَراغة" ببلاد فارس، و التي كانت مركزا علميا لا يقل أهمية عن بغداد آنذاك، ليستزيد في العلوم الرياضية و يتعمق في دراسة الشريعة الإسلامية، ليقتنع عن علم و بعد تقص للحقائق، أن الإسلام هو الدين الحق، و أن اليهودية قد طالها التحريف، حيث شرح اللهّٰ صدره للإسلام عام 558 ه / 1163م، بمراغة، بعد أن رأى رؤيا مباركة رأى في الرسول صلى اللهّٰ عليه و سلم، ترشده إلى اعتناق الإسلام. و لم يقف السموأل عند هذا الحد، فقد تضلع في العلوم الشرعية و في اليهودية فصار أستاذا لمقارنة الأديان، يذود عن الإسلام و يكشف تحريف اليهودية و عورها، خبيرا في المناظرات، حيث ساعده في ذلك تمكنه من المنطق الرياضي و طرائق الاستدلال. و قد ألف كتابين في مقارنة الأديان هما : "بذل المجهود في إفحام اليهود" و "غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود". حيث كانا مرجعا معتبرا في الرد على اليهود و النصارى، حتى لكبار العلماء كشيخ الإسلام الثاني : ابن قيم الجوزية. كان السموأل المغربي لا يخرج من علم ولج بابه إلا بعد إتقانه، لم يكن يشفي غليله التخصص الضيق، و الاكتفاء بالأفكار العريضة من مختلف العلوم، بل كان يتخصص في كل علم تيسر له، حيث درس بعد ذلك الطب على يد ابن ملكا البغدادي، ليستحيل بعد ذلك طبيبا محنكا ماهرا بالصنعة. و كان يسترخص الغالي و النفيس في طلب العلم، فكان يشد الرحال إلى العلماء ليتلقى عنهم، فزار مصر و سوريا و العراق و كردستان و أذريبجان ..

كان السّمَوْأَلْ عالما عاملا بعلمه متواضعا محققا مدققا، معروفا بأمانته العلمية، مدافعا عن الحق، يذود عن الإسلام برد شبهات النصارى و اليهود و كشف التحريفات التي طالت كتبهم، أسدا في المناظرات و مقارعة الحجة بالحجة، بعد أن كان يهوديا صرفا. و كان كثير الاطلاع و البحث، عالي الهمة ثاقب النظر و البصيرة، محبا للسفر و الرَحّلات في سبيل طلب العلم، لا يشغله شاغل سوى تحصيل العلوم و المعارف.

إنجازاته :

كان السموأل المغربي غزير الإنتاج، سخي العطاء في مختلف المجالات العلمية، حيث خلَدّ ذكرهَ بآثار مصنفة قيمة، بلغت ما يقارب الخمسة و الثمانين مصنفا، أغلبها في الرياضيات و التي أهمها : المثلث القائم الزاوية - القوى في الحساب الهندي - إعجاز المهندسين - الموجز في الحساب - رسالة في الجبر و المقابلة - شرح لكتاب ديوفانت الإسكندري - الباهر في الجبر، و الذي يعد أهم و أشهر مؤلفاته.
ساهم السموأل المغربي في تطوير الطرق التحليلة، كما أكد على استقلالية الجبر عن الهندسة في حل المسائل المختلفة عكس السائد آنذاك، حيث كان ذلك اللبنة الأولى لعلم الجبر الحديث. كما كان من الرواد السباقين في تطوير المفاهيم الرياضية حتى الحديثة منها، و التي نسبت لغيره من علماء الغرب في العصر الحديث، و لم يكُشف ذلك للعالم إلا بعد كشف الغطاء عن مخطوطاته و مؤلفاته حديثا، و التي تزخر بالمواد العلمية الرياضية المتقدمة. يعد "الباهر في الجبر" أهم و أبرز مؤلفات السموأل المغربي، فرغم تأليفه في سن مبكرة في التاسعة عشرة إلا أنه يضم مواد ر ياضية قيمة و متنوعة، و قد قسم الكتاب إلى أربعة فصول و هي كالتالي :

• الضرب والقسمة و استخراج الجذور

• استخراج المجاهيل

• استخراج الجذور الصماء

• تقسيمات المسائل

و قد كان السموأل عالما أمينا في نقل العلوم، يذكر المصادر و المراجع التي ينقل عنها، و ينسب النتائج إلى أصحابها، و لا يخلطها مع النتائج التي توصل إليها و الطرق التي ابتكرها. و قد بدأ بحل المعادلات من الدرجة الأولى بمجهول واحد و بمجهولين، و كذلك المعادلات من الدرجة الثانية. و من بين ما اهتم به ما يعرف بمثلث باسكال :

و من الغريب أن نجد هذا المثلث الذي يعزى للعالم الفرنسي الكبير باسكال بصيغة مشابهة لحد كبير، مع أن السموأل كان قبل باسكال بحوالي خمسة قرون. حيث أورده السموأل مع برهان لخاصية جداء قوتين لهما نفس الأس، لكن باستعمال الجمل الأدبية و ليس باستعمال الرموز الحديثة. بعد ذلك يصف طريقة إنشاء المثلث (انظر أسفله) و يعزوه للعالم الرياضي المسلم الكرَجَي (أو الكرَخّي)، كما يقدم صيغة لما يعرف حديثا بالبرهان بالترجع. و لا ندري هل هذا المثلث تمت سرقته و نسُب لباسكال كما وقع في حالات كثيرة، أم أن الرياضي باسكال توصل إليه بنفسه.

وطبعا هذه حقيقة لا غبار عليها حيث أكدها المجتمع الرياضي الأمريكي (American Mathematical Society) في مجلته :

Notices of the American Mathematical Society, Volume 60, Number 11.

و من باب الإنصاف أن نسمي المثلث الشهير ب مثلث الكرجي-باسكال حتى لا نظلم أحدا !


توفي رحمه اللهّٰ بمدينة مراغة بأرض أذربيجان حوالي ( 1175 م - 570 ه). رحل مخلفا وراءه آثارا خالدة و تراثا علميا غزيرا في مختلف العلوم خاصة في الرياضيات و الطب. فرحم اللهّٰ الإمام السموأل المغربي و أسكنه فسيح جناته، و جزاه عنا و عن الإسلام خير الجزاء.