بقلم : صلاح الدين الشرفي و عمر أكداش


إن مسؤولية تطوير الحس العلمي النقدي الذي يضع جل الأشياء موضع شك أو تساؤل تقع على عاتق كل واحد منا كطلاب علم، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. و لتسليط الضوء على هذه الفكرة، نطرح فيما يلي مثالين، الأول في سياق رياضياتي محض و الثاني يخص ميكانيك نيوتن Newton :
1) بدءا من المرحلة الإعدادية يشرع التلميذ في التمييز بين الأعداد، حيث يميز بين الجذري و اللاجذري. لكن التعريف الرياضي الدقيق للعدد الحقيقي على سبيل المثال يبقى غامضا لحد كبير لدى الغالبية الساحقة من التلاميذ بل و بعض الأساتذة كذلك. المشكل في حقيقته لا يكمن في الجهل بالمفهوم أو صعوبة نقله للتلاميذ باعتبار مخزونهم المفاهيمي المحدود و باعتبار التدرج الديداكتيكي في العملية التعليمية التعلمية، لكن المشكل يربض بالأساس في اعتبار هذه الأسئلة مسلمات و الظن خطأً بأنها أمور بديهية بسيطة "في الجيب" و بعيدة كل البعد عن التأمل و المُساءلة. و بعد هذا كله يمكن أن نكتشف لاحقا في مستويات جامعية متقدمة -كالماستر مثلا- أنه يمكن أن نكون طلبة دكتوراة بل دكاترة في الرياضيات و لا ندري حقيقة ما معنى عدد حقيقي.
بالنسبة لطالب متمرس على الاشتغال بفضاءات أكثر تعقيدا، كالفضاءات ذات البعد اللانهائي على سبيل المثال ينظر للأعداد الحقيقية بازدراء و هي بالنسبة له بداهة مُتجاوَزة، في حين يرى الطالب الذي تستهويه الدقة و الصرامة الرياضية العكس تماما، فتراه في بحث حثيث لإماطة اللثام عن هذه الأمور و سَبْر أغوارها، و لا تشفي غليله المعرفة السطحية بمثل هذه القضايا.

و لتوضيح الصعوبة الكامنة في إعطاء تعريف ممكن و دقيق للأعداد الحقيقة تجدر الإشارة إلى أن هناك عدة مقاربات لدراسة مفهوم العدد الحقيقي. فالمقاربة الجبرية مثلا تعتمد على "كسر حلقة على مثالي (quotient of a ring by an ideal). أما المقاربة التحليلة الأكثر تداولا فتعتمد على متتاليات كوشي Cauchy. طبعا هناك مقاربات أخرى من قبيل "قَطْع" Dedikend لكنها تحتاج لخزان معرفي جيد في الجبر و التحليل، مما يفسر تغاضي البرامج المدرسية عن معالجة مثل هذه الأسئلة الشائكة.

2) بخلاف ميكانيك الكم و فيزياء النسبية التي تظل لحد ما مستعصية على الفهم حتى بالنسبة للمتخصصين من الفيزيائين و كذا المنتسبين للعلوم عامة، تبدو الفيزياء الكلاسيكية أو ميكانيك نيوتن Newton الأكثر بساطة، حيث تعتمد على مفاهيم أولية كالقوة و السرعة و التسارع و الكتلة .. لكن لننظر إلى أي حد ستصمد بساطة هذه المفاهيم.
أي تلميذ بمستوى الباكالوريا بإمكانه لحد ما استيعاب قوانين نيوتن. لنر على سبيل المثال القانون الثاني، أو ما يعرف بالقانون الأساسي للديناميك :
مجموع القوى = الكتلة x التسارع
في نظركم، هل حقا هذا القانون بالبساطة التي نتخيلها ؟
يمكن أن نتساءل بداية هل نحن قادرون على تعريف و بدقة مفاهيم من قبيل القوة، الكتلة و التسارع ؟ زد على ذلك أن المتساوية أعلاه نسميها "قانونا"، فما الذي نعنيه بقانون ؟ و كيف تم الوصول إليه.
ما مدى صحة هذه القوانين ؟ و كيف يمكن التحقق من صحتها ؟ بل ما معنى صحتها ابتداء ؟
إذا ما وسعنا حقل التساؤلات فنحن نتحدث عن ميكانيك نيوتن. هذه النسبة بحد ذاتها تحيلنا إلى وجود ميكانيكات متعددة، و الحالة هذه، حيث نتحدث عن ميكانيك النسبية و ميكانيك الكم و غيرها. و نظرا للاختلاف الحاصل بينها و بين ميكانيك نيوتن فجدير بنا أن نتساءل عن مدى صلاحية و صحة هذه الميكانيكات المتباينة.
عبر الأمثلة البسيطة السابقة، يمكن أن نخلص إلى أن الحقيقة الواضحة التي يمكن جردها "أنْ لا شيئ أقل بداهة من البَداهات نفسها"، و من هنا نستخلص كمية التعقيد الكامنة وراء البداهات.
أيضا، يمكننا أن نتساءل من خلال المفاهيم التي تمت مناقشتها آنفا كصحة قانون ما و وجود ميكانيكات متعددة.. عن طبيعة العقول و الأدمغة التى أبدعتها و كيف أبدعتها و في أي ظروف و سياقات تاريخية تمت، هذه القامات التي لا يمكن لنا إلا أن نرفع القبعة إجلالا و تقديرا لها. و منذ العصر الوسيط إلى العصر الحديث كانت و لا تزال الفلسفة جزءا فاعلا في العلوم كما أن هذه الأخيرة أصبحت هي الأخرى فاعلة في الفلسفة بعدما انفصلت عنها. و هذا يبرر الأهمية البالغة التي أعطى العلماء للفلسفة منذ القدم.. ليس فقط لقرون بل لآلاف القرون. و نحن بدورنا يتحتم علينا أن نعي جيدا أن كل هذه العلوم و الفلسفات ليست وليدة ذكاء خارق و لا إرثا بيولوجيا ينتقل من أب لابن، و أن عصر المعجزات قد ولى و انقضى، بل هي ثمرة سنوات من العمل الدؤوب و الجهد الجبار الممزوج و المفعم بكثير من الحب..

و بإلقاء نظرة سريعة و خاطفة حول المنتسبين للعلوم في عصرنا الراهن، طلبة و أساتذة، نرى بشكل جلي الدور الذي لعبه التخصص في قتل العقول العلمية المبدعة. على سبيل المثال، نجد حاليا بعض طلبة الرياضيات لا يجيدون سوى تقنيات الحساب السطحي دون برهان أو فهم جيد للمفاهيم، و هذا لا يعني طبعا أننا ننقص من قيمة الحساب و أهميته في الرياضيات. طلبة الفيزياء بدورهم يُطبقون الصيغ و العلاقات الفيزيائية بطريقة آلية حيث يبقى فهم كُنْه و دلالة تلك الصيغ فيزيائيا القشة التي تقصم ظهورهم و عقولهم التي أصبحت مبرمجة أو قابلة للبرمجة. نشير هنا إلى أننا لا نروم بهذه الكلمات ازدراء الطالب المغلوب على أمره و لا التقليل من شأنه، فقط نقرر الواقع المرير و الوضع المُزري الذي ينبغي أن نعترف به و نتقبله و نعمل على تجاوزه و معالجته، فلا أحد ينكر أن أولى مراحل علاج مرض ما الوعي بوجوده !
لا جَرَمَ أنّ الأغلبية الساحقة من الطلبة الذين انتسبوا لشعبة الرياضيات في بلداننا يُنهون مسارهم التربوي دون أن يعرفوا من الرياضيات سوى حل بضع تمارين و مسائل. لكن ذلك لا يبرر بأي شكل من الأشكال هذه المحدودية و هذا التقوقع المنحصر في التمارين المستهلكة دون استطلاع باقي الجوانب الجمالية و المعرفية المتعلقة بالرياضيات كدراسة تاريخ الرياضيات و الابستيمولوجيا و الفلسفة..
الأستاذ المربي هو الآخر لا ينبغي أن ينحصر في تاريخ المادة التي كُلف بتدريسها، بل يُستحب له أن ينفتح على تاريخ التدريس في بلده عموما و أن يكون على وعي تام بالاختيارات و السياقات السياسية و الاجتماعية التي أخرجت التعليم بصيغته الراهنة. و لعل من خصوصيات الرياضيات في هذا الصدد أن تكون أول شعبة تُتوج بإنشاء مراكز أبحاث متخصصة في طرق تدريسها أو ما يعرف اختصارا ب IREM و ذلك لأول مرة في فرنسا سنة 1967.
و لا ننسى أن نُذكّر أنفسنا أولا و كل الطلبة الذين يرغبون في دراسة فلسفة الرياضيات أو أي فرع آخر أن تطوير الفكر النقدي المجترئ على طرح الأسئلة لا يعني من جهة التنازل عن التفوق الأكاديمي، حيث يمكن أن نـنْجَرّ وراء الفضول الجارف فنُسقط أولوياتنا و التي من بينها التفوق الجامعي. من جهة أخرى نشير إلى أن العبرة ليست بطرح الأسئلة فحسب بل العبرة كل العبرة بطرح الأجود منها. حيث قد نضطر أحيانا لمساءلة الأسئلة نفسها، و مدى مصداقيتها و مشروعيتها.
كخلاصة لما سبق، يمكن أن نستنتج أن الرياضيات، كما هو شأن باقي العلوم، لم توجد لتُدَرّس فحسب، بل لها امتداداتها و مقاصدها و التي من أهمها فهم هذا الكون الفسيح و توجيهه نحو الأفضل، و ما ذلك على الرياضيات ببعيد..