للبشر عادة بغيضة في قتل أنبيائهم و مصلحيهم و دعاة الخير بين ظهرانيهم, و تكفي اطلالة سريعة غير متفحصة علي تاريخ كل من تجرأ و واجه مجتمعه لأجل ما هو خير و ما هو صواب حتي يبرز ذلك النمط بيسر, دائما يقتل صاحب تلك الرسالة أو ينفي, ثم -و ياللعجب- يقام من ذكراه صنما تليدا قد تذبح أعناق الرجال اذا تجاوزت حرمه و نالته بما يسئ .

و كأن ذلك القطيع البشري لا يستطيع فراقا لمألوف عاداته و عقائده و لا يملك أن يقوم من علي صنم الا ليسجد لصنم, و لا يستطيع قط بلوغ مرتبة الرشاد و الحكمة التي بلغها بعض رجاله و نسائه الأكابر, فيتفحص أموره كلها و يزنها بميزان العقل .

و رجلنا هنا أحد أكبر العقول البشرية و أنفذها بصيرة و هو رجل لم يتوقف ساعة عن الفحص, و هو كما قال عن نفسه " الذبابة الصغيرة التي ستزعج حصان أثينا الكسول ", و قد جري عليه النمط التاريخي المعروف فحكم عليه بالاعدام .

هو سقراط , أول ثلاثة من أكبر العقول في الفلسفة اليونانية , و الذي لم نكن لنعرف شيئا عنه لولا أن ثاني الثلاثة و تلميذه أفلاطون جمع لنا محاوراته في قطع من الأدب الرفيع , وفي الكتاب الذي بين أيدينا جمع الدكتور "عزت قرني" ثلاثة محاورات هي "أوطيفرون"، "الدفاع"، "أقريطون"، و هي تقع قبل محاكمة سقراط و أثنائها و بعدها, و اللوحة التي بالأعلي لجاك لويس دافيد ( 1787) تمثل مشهد النهاية في حياة ذلك العقل العظيم و النفس العظيمة حيث حكم عليه بالاعدام عن طريق تناول السم, من قرأ المحاورات ربما يفهم سر شموخ سقراط في لحظة موته و كأنه يعطي الدرس الأخير, و ربما يخالطه الشك أن الشيخ حاد الذهن فصيح اللسان صادق النفس سعي الي تلك اللحظة أو فضلها علي أن ينجو و يحيا حياة لا تليق به .

أن التعرف علي سقراط هو الدرس الأول في الفلسفة لأن حياة الرجل هي تجسيد لجوهر الموقف الفلسفي من الحياة و من الكون, موقف الدهشة و التساؤل , و ان التعرف علي الرجل يترك في العقل أثرا واضحا , و اليكم نقدم مناقشتنا حول الكتاب , و خالص تحياتنا لمؤلفه الدكتور " عزت القرني " .

https://soundcloud.com/user-40639739/jk0nhk8isewl