من الكتّاب سلالة قادمة من الجحيم. لم يكن اختيارهم أن يذهبوا هناك, بل ألقتهم الحياة. و للحياة ضحايا لا يحيط بهم احصاء, فمنهم من يولد و بذرة الموت و الهدم تعمل بداخله بنشاط يفوق أقرانه حتي يفني قبل أن يورق عوده الأخضر. و منهم من تلقيه في الجحيم منذ  لحظة ميلاده الأولي , يتجلي الجحيم في فقر ساحق للكرامة, أو أب مضطرب نصف مجنون, أو ظرف تاريخي مدمر. 

و "تشارلز بيوكوفسكي" هو كاتب و شاعر من هؤلاء الذين سقطوا في الجحيم و بمعجزة ما عادوا. و الحقيقة أنه في هذا لم يخالف قانون سلالته, سلالة الكتّاب العائدين من الجحيم. سيجد الشغوف بالقراءة و الأدب دائما صنف من الكتّاب كانت حياتهم تفضي الي عدد من المصائر المحتملة و تشترك جميعا في كونها بائسة, فأما أن يقتل في مشاجرة في حانة, او يموت بجرعة زائدة من المخدرات, أو ينتحر. لكن يوجد بينهم و بين منبوذي الحياة فارق واحد, أن أحدهم كان يحمل كتاب او قلم.

القلم و الكتابة, أبسط و أعجب ما أخترع البشر و الأكثر ثورية. يقول البعض أن القدرة علي صياغة الكلمات و الجمل هي ما جعلنا بشرا بالأساس. و أن العناق الحميم بين القلم و الأوراق هو ما جعل الحضارة ممكنة. و من كتب و لو خاطرة ذاتية أو يدون يومياته في كراس صغير يحفظه بجانب السرير يعلم أن القلم أيضا يعمل كمشرط جراحي. يفتح الجروح و يزيح عنها ما تراكم من دماء, فيتجلي الجرح نقيا ناصعا مستعدا للتطهير. تري, هل هذا ما أبقي "بيوكوفسكي" حيا؟ هل هذا ما أبقاه يتنفس برغم عنف الأب و التشرد و الفقر و إدمان الخمر؟. القلم أيضا يعمل كأداة تصفية, تمر فيها روح الكاتب و تخرج سطورا مقطرة مصفاة خالصة للشاربين, و هكذا صاغ "بيوكوفسكي" روحه شعرا.

في الكتاب الذي نناقشه في التسجيل أدناه, كتاب أو بالأصح رواية "هوليوود", يرصد "بيوكوفسكي" تجربته مع "هوليوود", معبد الفن الأمريكي. و هي تجربة خاضها في عمر متأخر. لينقل لنا ما يحدث خلف كواليس المسرح المبهر لنجد صراعات و مؤامرات و نذالات تبدو بجانبها شجارات الحانات و مصارعة منبوذي الحياة شيئا لطيفا. حتي يعجب الإنسان كيف تخرج تلك الصور المبهرة من رحم هذا الجنون. 

لتلك الرواية فائدة مزدوجة, فهي نظرة داخل عالم هوليوود المضطرب, و نظرة علي "بوكوفسكي" نفسه, و هو كاتب و شاعر يستحق أن نقف عنده و نسمع ما لديه. و نضع بين أيديكم تسجيل مناقشة الكتاب و حياة "بيوكوفسكي" :

https://soundcloud.com/user-40639739/bslngtcquvqg