قال الله تعالى " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون " الروم الٱية 30.

الفطرة جاء في تعريفها اللغوي الخِلقة ، واصطلاحا "الجِبِلَّةُ المستقيمة التي خلق الله الناس عليها " ، والله تعالى أمر عباده بإقامة الدين اتباعا لفطرتهم التي أودعها فيهم ، وكل اتباع لغيره فهو ضلال وزيع ، وابتعاد عن الجبلة الطاهرة الأصلية .

هذا يعيدنا إلى ما ذكر الله تعالى في كتابه العزيز عن مرحلة بداية الخلق ، والتي تبين أن أصل الإنسان الإيمان بوجود الله ، وأنه الخالق ،قال عز وجل : "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ" . شهدنا قبل أن يكتب لنا الحياة على أن الله ربنا ، وكلنا سواء في هذه الشهادة ، من نراه اليوم مؤمنا ، ومن نراه يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا ، أو ملحدا منكرا لوجود الله ، الكل شهد بدون استثناء ، ومع أول نفس يخترق أغشية أنوفنا نولد موحدين ، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه إما يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " .

يولد الإنسان موحدا ، ويتغير من التوحيد لغيره بما يعرض على فطرته من متغيرات التربية خصوصا ، وهو ما نص عليه الحديث الشريف ، وأيضا بما يغرق فيه من إعمال العقل وبسط لسلطانه دون قيود ، إما باتباع الأباطيل والشبهات التي تفتل رويدا رويدا في عقد من الظنون المؤدية للشرك ، مما يصعب بعد ذلك فكها ، دون إغفال وساوس العدو الأزلي للبشر الذي لن تضع حربه أوزارها إلى يوم القيامة .

فكان إرسال الرسل و الانبياء عليهم السلام لتثبيت ما جبل عليه الناس ، كلهم أتوا بالتوحيد لأنه أساس تحقيق الاستخلاف في الأرض " إني جاعل في الأرض خليفة " ، وهو أساس تحقيق غاية الخلق " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " ، وما أفنى الأنبياء والرسل حياتهم إلا لهذا الغرض ، توحيد وعبادة في شموليتها للحياة ككل ، لكن الناس اختلفوا في تقبلهم للحق الموافق لأصلهم .

إن الفطرة لا تهدأ ، لا يقر لها قرار حتى يجد صاحبها طريقه لله ، وكلما ابتعد عن ربه كلما اختنقت ، إنها تنادي فينا في كل حين ويحك ٱمن ، إنها كرسول يحمل رسالة ربه ليبلغها الخلق ، تعاني كما عانى الرسل من الإعراض والتكذيب والمحاربة ، تكبل بالسلاسل كيلا تتحرك ، ويكمم فمها كيلا تُسمع ، فكل كافر بالله بداخله الإيمان ، لكنه يمنع نفسه التصريح به ، وكل أولئك المشككين في الله لم يمنعهم من التراجع عن أفكارهم إلا التكبر ، لم يستطيعوا التخلي عما وصلوا إليه من رفعة ومكانة ، هذا فرانسيس نيوبرت أحد الملحدين يعترف في ٱخر أيامه " قد انضممت إلى صفوف المُلحدين والكافرين، وظللت في هذا الطريق رغمًا عن تبكيت ضميري المتكرر " ، ما أسماه تبكيت الضمير هو نداء الفطرة ، لم يعره الاهتمام اللازم ، لكن مع اقتراب الأجل سمعه ، وتردد صداه على طول سنوات حياته ، ومثله الكثيرون ضلوا وأضلوا عباد الله ، وجهوهم إلى غير الوجهة التي ارتضاها الخالق لهم ، ومن الأمثلة ما حكى القرٱن عن نهاية الطاغية فرعون ، ادعى الألوهية لكنه لما رأى الحقيقة رأي العين تمنى لو ٱمن بما ٱمنت به بنو إسرائيل .

إن من رحمة الله بنا أن وهبنا عقولا تميز بين الحق والباطل ، بين الصواب والخطأ ، ووهبنا فطرة تعيننا على ذلك ، وهو ما قال النبي الكريم للصحابي " استفتِ قلبك وإن أفتاك المفتون " ، أي أسأل نفسك لتجد الإجابة فيما أودعه الله بداخلك من تحبيب الحُسن ، وكراهية القبيح ، من حب للإيمان ونبذ للكفر " حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان " .

تأمل حبب ، وزينه ، وكره .. فتقبل الحق موجود في كل نفس ، لذلك يقال لمن أسلم " الحمد لله الذي ردك إلى دينه " ، وها هو الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري ذهب ذات يوم ليقدم مراسيم الطاعة لصنمه ، وبينما هو كذلك وجد ثعلبا متسلق على رأس الصنم وقد بال عليه فوقف متعجبا ساخرا مما حدث وانشد قائلا:

رب يبول الثعلبان برأسه * * * لقد ذل من بالت عليه الثعالب

فلو كان ربا كان يمنع نفسه * * * فلا خير في رب نأته المطالب

برئت من الأصنام في الأرض كلها * * * وآمنت بالله الذي هوغالب

لحظة صفاء ، تأمل وإعمال فكر ، استماع لحديث الفطرة ، إعراض عن الضلال والزيغ ، كل ذلك جعل أبا ذر الغفاري رضي الله عنه يضرب عرض الحائط كل ما جره للشرك جرا .

لذلك فالإسلام دين الفطرة ، لأن كل ما جاء فيه يوافقها ، ويستحيل أن نُجْبل على أمر ثم يطلب منا ضده ، فالمصدر واحد هو الله ، هو ما إن أطعناه ارتحنا ، وإن أعرضنا عنه عذبتنا فطرتنا ، " ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا " .

* عبد الرحيم بن المبارك *