تختلِفُ لدى كلّ واحد منّا معركته مع نفسه و طريقتُه في الإحتدامِ مع ذاته، و كيفيةُ محاربَتِه لانتكاساته و تجاوزِها.. فلكلّ انسانٍ طريقته الخاصة في التعامل مع ما يجول داخله من عواطفٍ و أحاسيسَ مختلفة.. كفرحة نجاحه أو الخيبة التي تعقُب فشله، أو شعوره بالخذلان اتجاه تركه أو فقده لأحد يحبه.. و غيرها من الإدراكات الحسيّة التي تؤثر على مزاجه و تلُّمُ به.

و كلٌّ يرى من زاوية وجعه أو اغتمامه أنّ ألمه أو همّه من أسوء ما قد يبتلى به هو أو غيره، فأحياناً يلوم الآخرين على ذلك و أحيانا يتوَّجَهُ بذلك على نفسه و قد يصل به الحدُّ في مراتٍ إلى أن يسخط من قدره.. و هذا راجعٌ إلى أننا لا نخضع إلا بما يتناسقُ مع حديّة استطاعتنا كوننا لا نتكلف إلاّ حسبها .. فلا يكلّف الله نفساً إلّا وسعها !

فلا أحد فينا يبالغُ مهما تصاغرت في عيوننا زاوية وجعه في وصفِ الذي ألّم به من شجنٍ أو جوى.. هو بالفعل يعيش أسوء اللحظات بالنسبة إليه، التي تبدو له من منظوره من الأوقات الأكثر قهراً على النفوس كلّها..

لذا فإنّه ما من حقٍ على أيّ واحد منا اذا ما اشتكى إلينا أحدهم أن نستصغر من همّه كونه لا يقارن بهمومنا، أو بهموم من هم حولنا و إن كان ذلك حقاً!

لذلك فالانسانُ الذي آوى إليك إفصاحاً بما يؤرق نومه و أفضى إليك عن ما يجول داخله ليس في حاجةٍ لأن تذكره بأزمة العراق و مجاعة اليمن و مجازر سوريا.. و لا عن مسيرات العودة و جرائم اليهود البشعة !

إنّ بوحه بهمومه لك ما هو إلا استجداءٌ منه للتخلص من بعضِ ثِقَلِه.. فهو لم يفصح لك لتصبح داعية تفتي له في مصيبته و لا لكي تتحولّ إلى مدرب تنمية بشرية تطالبهُ التحلّي بالقوة و الإيمان.. فأنْ أفشى إليك سرّه فهذا يعني أنّهُ تجرّد من مثاليته أمامك برهةً من الزمن لضُعفٍ ألّمَ به مؤقتاً..

إنّ كسرة القلب لدى أحدهم و التّعاسة و الحسرة و اللذعة و الوحشة و الالتعاجات لا تقارن و لا تتشابه و لا تنعكس على النفوس بصفة متماثلة..

قد يصيبُك الزكام ببعض الحمى الخفيفة و قد يطرح غيرك شهرا أسيرَ الفراش.. لذا فقد تتجاوز أنت فاجعتك و قد يضطر آخرٌ للتداوي منها لفترة من الزمن.. و قد تبرؤُ بسهولة من وعكتك العاطفية بينما يلجؤ غيرك للكثير من المعالجين النفسانيين علّه يستطيع إكمال حياته كما كان!

فتعلّموا أن تستمعوا بإحسان لأصدقائكم و أن تخففوا بيسرٍ و رزانة و تقدير عن الذي جاد لكم عن مكنوناته فقد يمنحه ذلك راحة نفسية مطلقة أو مساحةً حنون يهربُ إليها من جراحه و أوجاعه كما لم يستطع بكاؤه العارم منحَهُ إياها لفرط قنوطه..

فلينا بقلوب بعضكم و رفقا بها.. طيّبوها و كونوا اتزانيين ذوي تحنان جميل، أحسنوا الإنصات إليهم و ربتوا على أكتافهم.. حدّثوهم عن الأشياء المميزة فيهم و عن الأحداث الجميلة التي ستقع لهم .. أخبروهم بأنّ كل شيء سيكون على ما يرام و أنّ لا شيء يستحِقُ عبَراتهم.. اعبدوا الله عن طريق عباده فإن جبر الخواطر من أعظم الحسناتِ التي يجازي بها الله عباده..

و التزموا الحدود !