كان جَسَدي يرتعِشُ كلّما فكرت في ذلك ..

حدّ التخلّي عن فكرة الإرتباط نِهائياً و أن أُمارِسَ حياتي وحيدةً لما تبقى من أيامٍ مُتسابِقةٍ نحو منِيَتي .

لكنَّ حُبَه كان جارِفاً نحو قفصِه ،

في مُنتهى العِشق بينَ جُدرانِ بيتٍ أتقاسَمُهُ معه ..

أقبلَ عليَّ كإعصار ، فقلب كلّ حياتي طواعيةً له ،

فسلّمتُه قلبي و نفسي و كلّ حياتي ..

مُزاوِجةً أقدارِيَ إلى أقدارِه ..

مُبحِرةً معه إلى مستقبلٍ استودعناهُ ثنائِيَتَنَا التي تعاهدنا وفق عهودٍ و فاتحةِ بركات عليها أن لا يَمَسنا شيطانُ الشِقاق أبدا .

و أقدَمتُ على ذلِك .. أو أقدَمَهُ القدَرُ عليّ ،

و بعدَ شهرٍ من الشغف الآسر و من الورد المتناثر بفخامةٍ على أغطِيَةِ الأفرشة البيضاء ..

هالني أسبوعٌ من الكآبة ...

أسبوعٌ كأنّه ينتقِمُ من فرط فرحي بعرينِيَ الجديد ،

ظننتُ الأمر في البداية وعكةً مشاغِبةً تودُ أن تُعكر من صفو سعادتي قليلاً .. لكن الأمر تفاقم !

حتّى تآخذتني الظنون إلى كوني قد سُحرت أو أنّها فعلة عينٍ قبيحة لم تسمِّ الله علينا ..

كنتُ أطالِعُ زوجي بابتِساماتٍ مصطنعة ، فلم أشأ أن أزعِجَه بهمي ..

إلى أن غشت السحابةُ عيني ، و فقدت عقلِيَ لوهلةٍ تضاربَ فيها كلّ شيءٍ بمُخيلتي و خررتُ مغشِيَة عليها و أنا أحدِّثُ حماتي ..

فتحتُ عينيَّ بتثاقلٍ على أصوات لستُ أنكِرها .. و كان يتجلّى على الجميعِ فرحٌ مستفزٌ لحالتي التي كنت عليها ..

و استفقتُ جِدّاً على وقعِ " مبارَكٌ ابنتي ستُصبِحينَ أمّا " ..

لم أجد نفسي إلاّ و قد أجهشتُ في بكاءٍ عميق ،

كانت دموعي أشبَهَ بحفلةٍ تتراقصُ على وجنتاي من فرط السرور المتزاوجِ مع الصدمة !

و سرعان ما هدأتُ ملتفِتةً إلى زوجي الذي انتابته هستيرية بكاء و ضحك غريبة ..



أربعةُ أشهرٍ من المغص ..

أتحسسُ من كلِّ صغيرةٍ و كبيرة ،

بإمكانِ رشة عطرٍ لطيفة أن تؤدِيَ بي إلى دواماتٍ غير متناهيةٍ من نوباتِ الإستفراغِ الرّهيبة ..

و لا أنسى مزاجيَتي المتقلّبة التي تجعلُني أكرهُ نفسي و أزعِجَ من حولي ..

حتّى أنّي كنت أغضبُ بسبب و من دون سبب ..

و عن منتصَفِ الليل مصائِبُ أخرى ، فقد كانت

تتفتَقُنِي حرارةٌ رهيبةٌ أصحو على إثرِها مختنِقةً .. ترحةً ، أندفِعُ فيها إلى محاولاتٍ للهروب من جسدي لكنّي لا أقدِر ، و بعد أن تغادرني قليلاً تلك الحالة أتوّسل النوم أن يستضيف فيَّ مرة أخرى .. لكنه لا يستجيب فأهلك من الأرق .. في حين أنّه بأحيانٍ أخرى إن أتناني فلا يتنَّكرُ عني أبدا فأضلّ نائِمةً ليلا نهاراً لساعات متواصلة دون أن أحس على نفسي ..

لكنّي سرعان ما أتناسى كل هذا تفكيراً في قطعة الروح التّي تسكنني .. و تشاركني أحاسيسي و أكلي و أحشائي ،

أتحسسُ مناداتها لي بأمي فأستصغِر كل شيء في سبيل ذلك !

----------------------------------------------------------

تيك .. تاك !

تيك .. تاك !

تيك .. تاك !

كانت أصوات دقات فؤاده المتشكلّ على مسامِعنا لأوّل مرّة !

كأنها نواقيسُ جنَّة تنادي فينا أن هنيئاً لكم دخولُها ..

كانت لحظاتٍ خياليةٍ و نحنُ نشاهد هذا الطفل و هو ينبِضُ في بطني بوضعية سجودٍ مُعجزَة !

كان جنسُهُ ذكراً و نبضهُ مُبهِراً حيثُ نراهُ هناك بذهول مستقِراً !

أخذَ في الكبَرِ شيئاً فشيئاً .. و انحنى ظهري اِزاءً .. و تثاقلَ بطني و تثاقلت خطواتي ..

وشرعت أنفاسي في التقطع بين الحين و الأخرى !

و صرتَ متعبةً .. منهكةً .. عليلةً و خائرة القوى في أحيان كثيرة !

كنت أتقلب في الفراش كالمجنونة .. لا أجدُ وضعية إلا و استعملتُها علي أحظى بشيءٍ من الراحة أو النوم ..

لكنّي كنتُ أحاول عبثاً !

و إن حدث و نمتُ .. استفقتُ فزِعةً على ركلات موجعةٍ .. فأكبٍّرُ فيها ذاكرَةً خاشِعةً مسبِّحة باسمِ الله على إعجازِ أن أحمل روحا و جسدا آخرين داخلي .

و أكثر ما كان يتكالبُ عليَّ وجعاً في حالتي هو تذكري لأمي ..

صرتُ أدركُ أن حتّى كلمةَ أف عظيمة على مكانتِها ،

كنتُ أتألمُ من من مجادلتي لأمي و إغضابِها في وقتٍ ما أكثر من ألمي بحملي ..

ناهيك عن وضعِها لي و رعايتِها لي في كلّ سنين حياتي التّي لا عدّاد فيها علي !

و جاءني المخاض ...



يتبع ..