أجاب مستفهما بابتسامة هادئة: "هل رأيت أى قسمة ونصيب في الزواج من ناحية الفتاة أيضا؟؟"

هززت رأسي نفيا متفكرة فى كلامه الذى يبدو لي منطقيا، ثم أتى فى بالي تساؤلا اعتقدت سيهدم كل منطقه: "طيب فلنفترض أنه ليس زواجا تقليديا محسوبا بالورقة و القلم، وأنه زواجا عن حب، ماذا سيكون الزواج حينها؟!

بعد أن استمع إلى سؤالي فى تركيز، ابتسمت عيونه وقال: "مع أن أى زواج لن يسعدا طرفيه إذا لم يكن مبنيا بالأساس على الإعجاب المتبادل الذى مع الوقت وحسن العشرة يتحول إلى أقوى علاقة حب، لكن سأجاوبك في حالة أن يقعا اثنين فى الحب من قبل الزواج.

صحيح أن الحب ليس باختيارنا فى الأغلب والقلب له أفعاله التى ليس لنا دائما عليها سلطان. ولكن إذا غلبنا الحب وتملك من قلوبنا فيبقى العقل حرا طليقا، له حرية الاختيار ما بين أن يتبع القلب أو لا يتبعه. لننقل هذا المفهوم لمثال في الواقع. فإذا تحابا اثنين سيكون عليهما التفكير فيما إذا كان كل منهما مناسبا للأخر أم لا. سيكون عليهما دراسة الموقف جيدا من جميع جوانبه الدينية والأخلاقية والاجتماعية والمادية، ومحاولة تخيل الحياة بعد الزواج إذا كانت ستنجح أم سيضيع هذا الحب المزعوم مع ظهور أول مشكلة حقيقية.

وبذلك عدنا إلى التفكير ثانية وعدنا إلى دراسة الموقف والاختيار ما بين المضى قدما لإتمام الزواج أو الانصراف عنه والانسحاب. فما إن ذُكر الزواج حتى ذُكر معه إعمال العقل والاختيار لا القدر أو القسمة والنصيب."

ابتسمت عن اقتناع وأنا أستمع له يكمل: "فالزواج مثله مثل أي شىء نقرره فى حياتنا كاختيارنا نوع الدراسة التى نلتحق بها ومن بعدها نوع العمل الذى نقدم عليه والمكان الذى نسكن فيه واختيار المدارس التى نلحق بها أبنائنا وهكذا.

فبالنسبة للعمل مثلا نقدم مؤهلاتنا الشخصية في أماكن عدة نظن أنها جيدة بعد دراسة و تفكير ثم نتوكل على الله وندعوه بأن يرزقنا بما هو الأفضل لنا، أو لا ندعوه، فحتى الدعاء إلى الله هو من اختياراتنا البحتة. لنا كامل الحرية فى أن ندعوه أو لا ندعوه، نستعين به أو لا نستعين، كل حسب اختياره.

وبعد أن نلتحق بعمل ما بالفعل، من الممكن أن نكتشف أنه لا يتوافق و توقعاتنا وأننا لم ندرسه بشكل جيد وأننا قد تسرعنا فى اختيار هذا المكان للعمل وتغافلنا عن أشياء، لأننا تعبنا من طول الانتظار ونريد أن نعمل وكفى. وهكذا بالنسبة لباقى الأشياء."

أعقب كلامه سريعا رافعا اصبعه تنبيها: "بالطبع تتخلل بعض الأقدار بعض اختياراتنا. فأنا أريد وأنت تريد والله يفعل ما يريد. ولكن يسري هذا على كل اختياراتنا من زواج وعمل ودراسة وتعليم وغيرها من اختيارات فى الدنيا و ليس مقصورا على شىء واحد بعينه، كالزواج كما يعتقد البعض أو الكثير."

قلت له: "مفهوم.. ولكن ماذا تقول فيما نسمع أن يلتقيا اثنين من بلاد مختلفة بغير معاد مسبق ويتعرفا على بعضهما البعض و يتزوجا؟"

قال: "ألم أقل لكي منذ قليل أن الاختيارات يتخللها الأقدار! إن الله يسبب لنا الأسباب ويمهد لنا الطرق ويطرح أمامنا الفرص ويكشف لنا الأبواب. ولكن فى النهاية يظل اختيارنا بأي باب نطرق وأي فرصة نقتنص وأي طريق نسلك."

قلت: "هممم

أقتراحات
هممهم
همم
همكم
هممكم
هذه الكلمة صحيحة

، طيب وماذا عن الأبناء؟ أليسوا مكتوبين عند الله من قبل أن يتم الزواج وإنجابهم؟ فهذا يعني أن الأبناء مُقدر لهم أن يأتوا وبالتالى الزواج مُقدر له أن يتم، فهو قدر ونصيب." كشفت ابتسامتي عن أسناني وأنا أنهي تساؤلي له بحماس واضح.

أخذ نفسا عميقا و أطلقه ببطء، ثم قال وهناك ابتسامة فشل فى أن يكتمها على شفتيه: "نعم، صحيح أن الأبناء قدر ونصيب، ولكن هذا ليس معناه أن الزواج المسبِب له قسمة ونصيب. قال الله تعالى فى كتابه العزيز { للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } [ الشورى ٤٩-٥٠]."

هممت بفتح فمي لأسأل عن شيء لفت نظري فى الآيتين الكريمتين، فوجدته لاحظ وقرأ سؤالى قبل أن أنطق به وقال ضاحكا رافعا يده: "وقبل أن تقولى أن الزواج قسمة ونصيب بدليل قوله تعالى "يُزَوِّجُهُمْ". فهنا يزوجهم ليست معناها أن يدفع الذكور والإناث للزواج ببعضهما البعض بل معناها أن يجمع فى الأبناء بين الذكور والإناث. فالآيات الكريمة تتحدث هنا عن نعمة الله علينا بالإنجاب إما بإنجاب الإناث فقط أو الذكور فقط أو الذكور والإناث معا أو عدم الإنجاب تماما. فالله وحده بيده أمر الإنجاب. هو فعلا ليس باختيارنا تماما. فكم من مرة سمعنا عن محاولات أزواج للإنجاب باءت بالفشل وعن محاولات منع إنجاب باءت بالفشل أيضا، فإرادة الله فوق كل شىء. ولكن هذا ليس معناه أن نتوقف عن المحاولة، بل نظل نحاول ونتخذ بجميع الأسباب التى لدينا ثم نتوكل على الله القادر كما أمرنا."

توقف عن الحديث قليلا ليلتقط بعض أنفاسه ويشرب القليل من الماء من الكوب الموضوع أمامه. وأنا ناظرة إليه فى ترقب منتظرة أن يكمل حديثه. ثم قال: "نعود إلى موضوعنا. هلا تأملتى معى هاتين الآيتين الكريمتين:

{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: ٣٠].

{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: ٥١].

الأقدار يا عزيزتى أنواع وليست نوعا واحدا، فمنها ما يصيبنا بفعلنا ومنها ما يصيبنا بغير فعلنا. فإذا حدثت مثلا حادثة تصادم لسيارتين فى الطريق، كانت تسير إحداهما، ولنفترض أن لونها أبيض، كانت تسير بحذر ولم تعتدى على أى قانون من قوانين السير فى المكان، أما السيارة الأخرى، ولنفترض أن لونها أسود، كانت قد تعدت السرعة المسموح بها كما أنها كسرت الإشارة فصدمت السيارة البيضاء أو تسببت فى أن السيارة البيضاء تصدمها. هنا النتيجة كانت أن كلتا السيارتين نالهما من الخسارة ما نالهما، ولكن ما أصاب السيارة البيضاء كان بغير فعلها أي ليس لها يد فيه، وما أصاب السيارة السوداء كان بفعلها أي لها يد فيه. فكان قَدَر السيارة البيضاء لحكمة عند الله التي من المؤكد أنها لصالحها، وقَدَر السيارة السوداء للفت الانتباه للذنب الذى اقترفته فتحرص ألا تقترفه مرة أخرى.

وأيضا نرى الزانية التى يصيبها الله بالحمل ممن زنت معه ويصبح لها مولودا من حرام. وهو مكتوب عند الله أن هذا المولود سيولد من هذه السيدة من حرام، لا لأنها مجبورة على أن تأتى بالفاحشة لتلد هذا المولود، حاشا لله، ولكن لعلم الله تعالى بكل الغيب، فهو سبحانه يعلم ماذا ستختار هذه المرأة أن تفعل من قبل أن تفعل. بدليل أن المرأة الغير متزوجة التى اختارت أن تعف نفسها وتتنزه عن الحرام والفحش لا يمكن أن تحمل أبدا. والإنجاب من حلال لا يكون إلا إذا اخترنا أن نتزوج كما شرع الله تعالى لنا واتخذنا جميع الأسباب للإنجاب كأن لا نأخذ من وسائل منع الحمل ونكن مستقرين وخلافه من الأسباب التى نعتقد معها بحدوث حمل وهكذا، ومن ثم نتوكل على الله الذى بيده الأمر من قبل ومن بعد.

فالحمل والإنجاب، وإن كانوا من أقدار الله علينا، ولكن هذه الأقدار أحيانا تكون مبنية على فعلنا واختياراتنا."

أنهى عريسي كلامه وهو ينظر إلىّ مبتسما ثم كاد أن يضحك عندما رآنى فاغرة فاهي لا أنطق. لكنه لا يعلم أنى وإن كنت متعجبة شاردة لكنى سعيدة. ثم فاجأنى بقوله: "ها ألن نقول مبارك؟"

أخذتني عبارته من شرودي وأضحكتني كثيرا. ولكنه قد كان، اختارني واخترته وقلنا مبارك. وكانت أقوى علاقة حب.