وقفتْ على شاطئ البحر تودع أمواجه ومياهه، التي حفظت ملامحها و ملامح أبناء المدينة لكثرة ما نزلوا إليها، كي يبردوا حر أجسادهم في أيام الصيف اللاهبة الرطبة، حيث البحر هو المكان المالح الوحيد في العالم الذي لا يرفع الضغط، بل يخفضه الى أجمل مستوياته.

تنفست هواء البحر النفاذ، أخذت نفساً عميقاً فتغلغلت الرائحة في أنفها و رئتيها، وأعمق الأماكن في عقلها وذاكرتها، سمعت صوت أم كلثوم القادم من احدى مراكب الصيد الصغيرة، التي يبحث صاحبها عن رزقه في هدوء الليل متأمّلاً بكرم البحر.

هو آخر يوم لها في المدينة، غداً تسافر إلى بلادٍ بعيدة بعيدة، أبعد من الأضواء على الشواطئ الجانبية للبحر، التي لطالما اعتقدت أنها أوروبا وأميركا والصين.

نظرت إلى السماء التي كبرت تحتها، إلى النجوم اللامعة التي عرفتها وناجتها أيام الحب الأول وفشله، إلى القمر الفضي الخجول، الذي يتلصص عليها بشقاوة من خلف الغيمات، تنهدت بحزن وغمرها أسىً عميق تكاد تتلمسه على جلدها، أي تناقض هذا بين رغبتها الحقيقية في السفر، والخروج من البلاد التي طحنتها الحرب، و لم تعد مكاناً مناسباً لمستقبل الأولاد، وبين رغبتها الحقيقية في البقاء، حيث ما تبقى من الأهل والأصدقاء ورفاق العمر؟

همست لنفسها: (هي تضحية لا بد منها، الآن أبنائي أهم من كل مشاعري، واجبي تجاههم يحتّم عليّ التضحية بكل شيء ألفته واعتدت عليه، مقابل الحفاظ على أمانهم وسلامتهم، جسدية كانت أم نفسية)


وقفت أمام المحيط، معطيةً ظهرها للقرية الصغيرة الوادعة التي استقرت فيها آخراً، تتأمل اتساعه وأمواجه المتلاطمة، هنا يتمشى الناس على الشاطئ ولا يجرؤون على الاقتراب أكثر، أو السباحة عميقاً في مياهه، فهي باردة على مدار العام، والقروش لا ترحم أحداً.

موسيقى لا تعرفها تأتيها من بعيد، هنا السماء أوسع وأصفى، ولونها أفتح، ليست بذاك السواد الفاحم مثل سماء بلادها، هنا المدى أكبر والنجوم متلألئة أكثر، هنا الحر أخف والرطوبة أقل، هنا الناس أرقى وأهدأ والشواطئ أنظف، لكن.... من أين سنأتي بالألفة؟ من أين سنأتي بتلك الذكريات الحنونة التي تغلف كل صخرة وموجة وحبة رمل؟

من أين سنأتي بضحكات الطفولة، وابتسامات الأمهات المطمئنة، التي تتردد كلما خطونا على الطرقات القديمة التي حفرت تحت أقدامنا وأقدام أجدادنا؟

من أين سنأتي بشعور الانتماء لكل لفحة هواء خبرناها وصادقناها على مدى العمر، وعرفنا من أين تأتي وإلى أين تذهب وسبب مجيئها في وقتها، الذي لا تخلفه كل عام؟

ولكل نغمة موسيقى؟

و لكل صوت؟

ولكل وجه؟

تذكرت مقولة كاتبتها المفضلة إنعام كجه جي حين قالت في روايتها النبيذة (أتأمل الطبيعة الموجعة من فرط بذخها، مشهد بانورامي بديع، تنقصه نخلة!)

غمر قلبها وجع البعد والفراق والغربة... ردد لسانها بلا وعي قصيدة محمود درويش (في دمشق).. ثم انهارت بالبكاء حين تمتمت:

في دمشق.. ينام الغريب على ظلّه واقفاً

مثل مئذنة في سرير الأبد

لا يحنّ إلى أحدٍ..

أو بلد.