شخصياً، لا أتأثر كثيراً بكتب التنمية البشرية أو السّير الذاتية، لاعتقادي أن لكلٍّ منا ظروفه وعقليّته الخاصة به، ولكل منا طريقة مختلفة في النظر إلى المشاكل، وتقييمها ومعالجتها.

حاولت كثيراً مع هذه النوعيات من الكتب الغير روائية، لكنّي وجدت أن الروايات التي تتحدث عن التجارب الإنسانية، ضمن قالب قصصي، أشد سطوةً وأعمق أثراً في نفسي، وتبقى في ذاكرتي طويلاً، بل وأنصح بها دائماً، كل من يطلب مني اقتراحاً لرواية مميزة. 

أستطيع أن أرشح ثلاث روايات قلبت حياتي رأساً على عقب، وأيقنت عقب قراءتها، أن هناك شيئاً ما في داخلي قد تغير ولم يعد كالسابق، هذه الروايات هي (القوقعة) لمصطفى خليفة، و (بينما ينام العالم) لسوزان أبو الهوى، و (لا تقولي إنك خائفة) للكاتب جوزبه كاتوتسيلا، والتي اخترتها كموضوع لمقالي للحديث عنها.

لم هي أفضل رواية قرأتها؟

لأنها حلمٌ وُئِد كجُلِّ أحلامنا، لأنها قصة لا تنتهي بحكمة "من جدّ وجد"، ومن حَلُم واجتهد نال مراده، بل هي رواية عن خيبة الأمل، عن استحالة تحقيق بعض الأحلام، وأنه لا يوجد على هذه الأرض، حلمٌ يستحق أن نعاني لأجله، شتى صنوف العذاب.

هي قصة من واقعنا، رواها الكاتب الإيطالي على لسان العدّاءة الصومالية سامية يوسف عمر، التي ترعرت في مقديشو، في زمن الحرب التي لا تعرف لها انفجاراً عظيماً بدأها، ولا ثقباً أسوداً سيبتلعها وينهيها، طالت حتى ألفها الأطفال، وأصبحت شقيقتهم الكبرى، طالت و تشابكت و تشعبت، حتى دمرت صلات الدم و روابط العشيرة، وجعلت الأخ ينقلب على أخيه، والإبن على أبيه، ومع ذلك… وَ وسط كل هذه البشاعة، تظهر الجميلة سامية بموهبتها في الركض، يساعدها صديقها علي، الذي يعيّن نفسه مدرباً لها، لكنه ينضم لإحدى التنظيمات الإرهابية، وتأتيه الأوامر بقتل والد سامية، و إلا سيكون عليه تفجير سوق بكامله، فاختار أهون الشرين، لتعاني بعدها سامية الأمرّين بتيتّمها، وفقدانها صديقها المخلص ومدربها الوحيد، وتمضي على درب الهجرة المستحيل، كي تصل إلى أختها، التي سبقتها إلى فنلندا.

من أكثر المشاهد تأثيراً في الرواية، هو مشاركتها في أولمبياد بكين، بطقمها الرياضي البسيط وحذائها المستعمل، بعصابة رأسها البيضاء، هدية والدها الوحيدة لها، بعضلاتها الضعيفة، بنحولها وفقرها، وجوعها وتعبها، تنظر إلى المتسابقات العالميات الواقفات جوارها، يرتدين ملابس من أهم الماركات الرياضية العالمية، بعضلاتهن القوية، وأنظمتهن الغذائية الصارمة، التي يظهر تأثيرها على أجسادهن المفتولة، يومها ركضت سامية بأسرع ما تستطيع، وحيدة، دون مشجعين لها في المدرج، دون أن تجد من يهتف بإسمها، ولم تحل في المرتبة الأولى، كما اعتادت القصص الخيالية أن تخبرنا، بل حلت في المرتبة الأخيرة، ومع ذلك فقد كانت سعيدة لأنها حملت علم الصومال، وهي التي لطالما أرادت رفع علم بلادها، لا علم بلدان اللجوء كحال كل الرياضيين الصوماليين، لكن بعد قتل أبيها على يد صديقها علي، ماتت الصومال في روحها، وانطلقت في طريق الهجرة، حاملةً صورةً قديمةً للعدّاء الصومالي البريطاني "محمد فرح" قريباً من قلبها، و يا له من طريق!

طريق لا يحمل أدنى ذرة من الإنسانية، جحيم خلفه جهنم خلفه سعير! لا يطاق.. لا يحتمل، ذل وتحقير وهوان، نصب واحتيال، وكسر لكل ما هو جميل ونقي، وبريء في النفس، هنا يأتي مشهد لا يصدق من قسوته، عندما وضعوا كل المهاجرين في حاوية بضائع، ساخنة كالحمم البركانية، مقفلة مصمتة، ليس فيها إلا فتحة صغيرة في السقف، فيضطر المهاجرون إلى رفع بعضهم البعض بالتناوب، كي يتنفسوا منها شيئاً من الهواء، وهم يتقافزون من لهيب أرضية الحاوية، ليصلوا بعدها إلى ليبيا… وبعد انتظار مرهق، طالت مدّته مع بعضهم فوصلت إلى العامين، تم تأمين أحد المراكب المهترئة، لينتقلوا بواسطته إلى شواطئ لامبيدوزا الإيطالية.

يقترب الحلم من التحقق، و سامية على بعد أمتار قليلة من إيطاليا، لكن يتعطل المركب، ويتم اكتشافه من قبل خفر السواحل الإيطالي، الذين يعمدون إلى رمي بعض الحبال، ويخبرون المهاجرين بأن من يقفز ويتمسك بالحبل، سيُسحب إلى برّ الأمان، فتقفز سامية، تقفز وسط الظلام والأمواج العاتية، و تحاول الصمود في وجهها، رغم إرهاقها وضعفها، ولكن بسبب برودة المياه والظلام الحالك، تتجه خطأً إلى قارب المهربين الذي قفزت منه، عوضاً عن قارب خفر السواحل، لتتعالى أصوات رفاقها وصرخاتهم، في محاولة يائسة منهم كي يرشدوها إلى الطريق الصحيح، لكن الموج العالي التهم الشابة سامية، التي لم تتجاوز عامها الواحد وعشرين بعد، والتهم أحلامها برؤية شقيقتها، والمشاركة في أولمبياد لندن، ولقاء مثلها الأعلى "محمد فرح"، وتترك وراءها عائلة تحطمت حزناً، على شباب ابنتهم الذي ضاع وسط تطرّف و جشع مرتزقة الحروب، وتحت مطارق العنصرية القبلية، وطمع تجار البشر والمهربين معدومي الإنسانية.

أتتخيلون مدى رعبها وقهرها، وهي تدرك أن كل عذابات الهجرة قد ذهبت هباء؟

هل نجرؤ، ولو في الخيال، أن نضع أنفسنا مكانها وهي تصارع للبقاء على قيد الحياة، وسط البحر الهائج البارد؟

أيمكننا تذوّق شعورها بالمرارة، لحظة انقطاع أنفاسها، وغياب العالم عن عينيها، وهي ترى بحر دنيانا ونورها وظلامها، لآخر مرة؟

هذه الرواية ضربت وتراً دامياً في دواخلي، ومع نهايتها بكيت كل القصص، التي سمعتها وشاهدتها عن مأساة شعبي السوري، ولم أستطع في وقتها البكاء لهول الصدمة، بكيت كل طفل وطفلة، كل شاب وصبيّة، وكل أم وأب، قضوا نحبهم بهذه الطريقة المروعة، ودفعوا حياتهم ثمناً لحرب لا يد لهم فيها، ثمناً لطمعٍ وتوحشٍ، لم يتوقعوا يوماً أن يقعوا بين كلّاباته، بكيت مأساة شعوبنا العربية، وكل الشعوب التي طحنها الفقر والوجع، والحرب والجوع، فكل مهاجر يعلم مسبقاً باحتمالية فقدانه لحياته خلال الرحلة، ومع ذلك يقدم عليها، تمسّكاً بخيط رفيع من خيوط الأمل، علّه يعيش حياة تشبه الحياة، فيها أبسط ما يمكن أن يطلبه المرء، وهو حق وضع الخطوة الأولى على طريق تحقيق الأحلام بأمان.

لا تقولي إنك خائفة؟ كيف وأنا أعلم أن سامية ماتت خائفة؟ و غيرها الآلاف ماتوا وهم في قمة الخوف و الهلع؟

لطالما آمنت أن الحياة البسيطة للناس، تفاصيلهم اليومية المليئة بالحب والعطف والألفة، رغبتهم الصادقة في مشاركة تجاربهم و قصصهم، لإلهام الناس و تشجيعهم و بث روح التفاؤل فيهم، تبعد شبح الخوف مما هو قادم، من المجهول، من المستقبل، لكن بعد كمية الوجع والعذاب الحقيقي، التي لا يُمكن تصورها في الرواية، نُسف إيماني هذا، و بُني إيمان جديد.. أن طريقك ليس بالضرورة هو طريق غيرك، إن نجح هو فيه، ليس واجباً عليك أن تنجح فيه أنت، إن كان طريقك مليء بالمصاعب، فكلمات التشجيع، وتقليد تجارب الآخرين، وقصص الطموح و النجاح، ليست كافية.

لا تسمح لأحد أن يشعر عنك، أويملي عليك ما يجب أن تحسّه، بل قل أنك خائف، فبعض الخوف يفيد..

قل أنك لست واثقاً من تجربة ما، فبعض التردد مفيد..

قل أنك لا تريد، فبعض عدم الإرادة إرادة.