جلس "نعمان أبو جعفر" في كرسيه المتواضع وهو يشعر بسعادة وزهو يغمرا قلبه، كما يحدث في كل مرة يزوره فيها الطبيبي"جبريل"، نادى خادمه كي يساعده على ارتداء ثيابه، فجاءه حاملاً السروال والقميص الفضفاضين والعمامة البيضاء، أدخل الخادم كم القميص بحذر في ذراع سيده المكسورة، المغطاة بجبيرة قاسية والملفوفة بقطعة قماش سميكة لتخفف من خشونة الجبيرة على الملابس، وبعد أن انتهى، تأكد "نعمان" من وضع الحزام في مكانه، وخرج من البيت.

مشى متمهلاً في أسواق بغداد علّه يمضي وقت اليوم الطويل بانتظار الغد، الذي لا يطيق "نعمان" صبراً كي يأتي، ابتسم حال تذكره ما ينتظره غداً، وخطرت بباله ذكريات الحروب التي خاضها كجندي في جيش هارون الرشيد، تلمّس الجبيرة متذكراً إصابته في المعركة الأخيرة ضد جيش نقفور الأول ملك الروم، وسقوطه عن جواده، يومها سمع بأذنه صوت انكسار عظم ذراعه، صرخ متألماً فتنبه إليه الخليفة وأمر أحد مرافقيه بإبعاده عن أرض المعركة، كي لا تدوسه حوافر الخيول.

وقف أمام بائع الأقمشة وأخذ يتأمل ويتلمس مختلف المنسوجات من الحرير والكتان، فسمع من خلفه صوت جاره اليهودي "يوسف" يقول له: كيف حال أبو جعفر اليوم؟ يبدو مرتاحاً وسعيداً.. التفت "نعمان" إليه وابتسم قائلاً:

- (أفضل ولله الحمد)

- (كيف لا تكون أفضل و الحكيم جبريل بن بختيشوع يشرف على علاجك شخصياً؟)

اتسعت ابتسامة "نعمان" وقال متأملاً القلنسوة السوداء والحزام الرفيع لدراعة جاره "يوسف":

-(الفضل لله أولاً عزيزي يوسف ثم للحكيم الماهر، ولكرم الخليفة معي أيضاً، فبالإضافة لطلبه من جبريل أن يطببني، فقد أمر لي بخادم خاص كي يعتني بي بعد أن علم أني أعيش وحيداً)

سأله "يوسف" بفضول شديد:

-(هل كل الجند المصابون يلقون مثل هذا الاهتمام والرعاية من الخليفة؟)

-(ليس الكل.. لكني كنت أقاتل في الصفوف الأولى خلف الرشيد مباشرة كما تعلم، واستبسلت في حمايته والدفاع عنه، ومن حسن حظي أن الخليفة رآني لحظة سقوطي، لكن باقي الجند يتم معالجتهم في مشفى الرشيد تحت رعاية بن بختيشوع ويوحنا بن ماسويه أيضاً، لكن لا يزورهم الحكيم في منازلهم للاطمئنان عليهم كما يفعل معي)

ثم استأذن من جاره مودعاً وأكمل طريقه، فقد خشي أن يبوح بالمزيد عن سبب سعادته الحقيقي اليوم، فقد أسرّ للحكيم "جبريل" في زيارته السابقة أنه يشعر بالعجز والملل، ويريد أن يقوم بأي نشاط إن كان يُسمح له بذلك، فبشّره الحكيم أنه قد وجد له عملاً بسيطاً لكنه في غاية الإمتاع، وهو مساعدة الصنّاع والحرفيين الذي يقومون بصنع الساعة المائية العجيبة، التي سيهديها الخليفة الرشيد إلى شارلمان، كل ما عليه فعله هو الجلوس ومراقبتهم، وتنظيم أوقات طعامهم، ومناولتهم ما يحتاجونه من أدوات أو متارس صغيرة، مقابل راتب مجز.

لقد سمع "نعمان" كثيراً عن هذه الساعة المذهلة وتمنى رؤيتها، لكنه الآن سيعمل مع الحرفيين الذين يقومون ببناء هذه التحفة الفنية، وسيتسنى له معرفة تفاصيلها وكيفية عملها.

بدأت الصور والذكريات تتوالى في ذهن "نعمان"، تذكر معركتيه الأخيرتين ضد جيوش نقفور الأول، الذي رفض دفع الجزية السنوية لخليفة المسلمين حال تسلمه مقاليد الحكم، وبعث رسالة وقحة إليه، فما كان من الخليفة إلا أن أرسل له رسالة تثلج صدر "نعمان" كلما تذكر نصها:

( من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم:

قد قرأت كتابك يا بن الكافرة والجواب ما تراه لا ما تسمعه)

وفي نهاية العام نفسه سار "نعمان" مع جيوش المسلمين إلى كابادوكيا، وحاصروها وحرروا ثلاثمئة أسير مسلم، ثم كرر الرشيد هجومه في العام التالي، وحاصر حصن (هرقلة) المنيع، ولم ينجح نقفور في فك الحصار، وأُجبر على المفاوضات ودفع الجزية، لكنه استغل انشغال الخليفة بالقلاقل في خراسان، فشن غاراته على أراض تابعة للمسلمين، عندها قرر هارون الرشيد وضع حد نهائي لملك الروم، وسيّر بنفسه جيشاً هائلاً، واحتل حصن (هرقلة) وغيرها، فأدرك نقفور استحالة وقوفه ضد جيش الرشيد، ووافق على الصلح ودفع الجزية.

وقف "نعمان" متأملاً الساعة المائية الهائلة الماثلة أمامه بزهو وفخر، مسح سريعاً دمعته ونظر مجدداً إليها بعد اكتمالها، تحفة فنية رائعة في غاية الدقة والجمال، صنعت من النحاس الأصفر بطول تسعة أذرع تقريباً، تعمل بقوة الماء، وعند تمام كل ساعة تتساقط منها كرات معدنية بحسب عدد الساعات، فوق قاعدة نحاسية، يتبع بعضها بعضاً محدثة رنيناً جميلاً، وهي مصممة بحيث يفتح باب من الأبواب الاثني عشر المؤدية إلى داخل الساعة، ويخرج منه فارس يدور حولها ثم يعود إلى مكانه، وعندما تحين الساعة الثانية عشر، يخرج اثنا عشر فارساً مرة واحدة، يدوروا حولها ثم يعودوا من حيث أتوا.

همس "نعمان" بحزن لنفسه:

أرجو أن يدرك شارلمان وحاشيته دقتها وروعتها، وأن يقدّروا الجهد المضني الذي بذل في بنائها، لا أدري لم ينبئني حدسي بأنهم لن يفعلوا ولن يعتنوا بها، ولن يقدروها حق قدرها، أرجو أن يكون حدسي خاطئاً.. يا رب.


بالنسبة لمخطط قصتي التي ذكرت فكرتها في قصاصة سابقة: 

المكان: الولايات المتحدة الأمريكية 

الزمان: بين سبعينيات الى تسعينيات القرن الماضي

الشخصيات الرئيسية: الأب، الأم، الابن

الشخصيات الثانوية: صديقة العائلة و ابنتها 

معلومات: التعليمات بعد التلقيح الاصطناعي،  قوانين اميركا بعد تجاوز سن الرشد، امكانية استحضار أمر بإبعاد الأبناء عن البيت، التداعيات النفسية بعد حالات الفقد، تأثير الاهتمام و الدلال المبالغ به على نفسية الطفل 

الحبكة: عقوق الابناء و أثره على الأهل

الخاتمة: تحديد نهاية واقعية لكل شخصية رئيسية.