"كُلٌّ يعبّرُ عنْ حبهِ بطريقته". كلماتٌ لم تكن لتقنعني لفترة من الزمن - ليست بالقصيرة-؛ لأنني كنت أعتقد بأنه لا بد لمن يحب أن يُشعِرَ من يحب بما يحب! 

رأيتُ أبي وهو يخبئ قطعة من اللحم لأخي مدعيا بأنه لا يحبها مع أني أعلم تماما أنه يحبها بل إنها المفضلة له. ورأيته مرة أخرى وهو يخبئ حزنه على أحدنا وراء تلك الكلمات التي تبديه في أعيننا قاسيا! ورأيته وهو قادم من عمله وقد أعياه تعب تناساه حين رأى ابنة أختي المتزوجة. 

رأيته وقد اسودّ لون جلده من حرارة الشمس ومع ذلك يعطينا المال لنشتري منتجات حفاظ على البشرة! رأيته حين يرى إنجاز أحدنا تتهلل أساريره وكأن هو المنجز! ورأيته وهو يدعي أن لديه الكثير من الثياب ليعطينا المال لنشتري بدلا منه. ورأيت أمي وهي تنتظره عند الباب وتسأله عن يومه وهي تعلم في كل مرة أنه سيرد عليها بكلمات مقتضبة ومع ذلك في كل مرة تبتسم ولا تمل السؤال. 

رأيتها وهي تنتظره حتى يعود حتى نأكل معه، تأبى أن تتركه يأكل وحده. 

رأيتها وهي تضع له أحسن الطعام وتخبره أن لا يزال يوجد الكثير بعدُ! رأيتها وهي تخدعه واضعة نصيبها من اللحم أمامها حين يأمرها ثم لا تلبث أن تضعه ثانية بالإناء حين يقوم؛ حتى تعطيه إياه باليوم الثاني مخبرة إياه أنها أكلت الكثير وهي لم تأكل شيئا! 

 ورأيتها حين تخبئ له الفاكهة بعيدا عن إخوتي الصغار الذين ينهونها قبل مجيئه حتى تضمن له ما يسد رمقه. ورأيتها أيضا حين تحاول أن توفر من مصروف البيت الذي بالكاد يكفي لتساعده. ورأيتها حين تحاول بشتى الطرق أن توفر لأحدنا ما طلبه. رأيتها وهي تؤثرنا على نفسها في كل شيء. رأيتها ودموعها تنسال لدموع أحدنا. 

أبي لم يحضن أحدنا يوما وأمي قلما تفعل! ولطالما كان ذلك يقتلني من الداخل، يمزقني إربا إربا! وظللت كثيرا أتساءل يا رب لم أنا؟ لم لم يكن أبي وأمي على النحو الذي أردته؟! كنت حين أرى آباء أصدقائي ينتظرون هم عند الخروج من الامتحانات ويأتون معهم في كل مناسبة تصيبني الطعنات. حين كانت تحكي أحدهم عن أبيها وكيف يدللها ويقبلها ويحتضنها يختنق قلبي بدموعه. لطالما عدت مهزومة الروح أهرول إلى غرفتي أبكي بالساعات وأحيط نفسي بجدار موهوم من العزلة. لكني فهمت مؤخرا كم أنني أضعت فرصا كان بإمكانها أن تجعلني لا أمر ببعض تلك التجارب القاسية. 

كنت حمقاء ومغيبة الوعي. لطالما طلبت الحضن وهما في كل كلمة كانا يحتضنانني. في كل سؤال عن يومي كان الشغف والاهتمام يطل من أعينهما. في كل اهتمام بإنجازاتي كان يبثاني دفئهما. 

كنت غبية حين كنت أنظر لأب هذا وأم تلك! أدركت أخيرا أنهما يعطياني أنا وإخوتي كل ما يملكان، لو أنهما يملكان خزائن الأرض ما بخلا علينا. 

حين بدأت أستشعر كلماتهما وأفعالهما ارتحت كثيرا ورضيت وقرّ قلبي بالرضا. 

فتيقنت أخيرا أن  الآباء يعطون كل ما لديهم ولو أنهم تعلموا كيف يحضنون ما بخلوا! لو أنهم تعلموا كيف يبثون دفئهم ما دفنوا!

فالسر كله في الرضا والصبر؛ فارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس!