هناك الكثير من الأشخاص الذين تراسلهم يوميًا، لكن هل فكرت في أن تكون المرسِل والمرسَل إليه في الوقت ذاته؟

حسنا حدّثتك في المرة الماضية عن رسالتي إلى نفسي في المستقبل، لكن هذه المرة سأعود بك إلى الماضي في رحلة أعدك أنّها لن تتكرّر، تابع القراءة لتعرف.

لتعرف كيف ولماذا أراسل دليلة ذات الست سنوات، وماذا قلت لها وكيف كان ردّها على رسائلي العجيبة، وكيف خطرت لي الفكرة ونفذتها والتزمت بها لقرابة الشهر؟

قبل سنتين خضت رحلة من نوع آخر، كانت إلى أعماق نفسي فتجولت بين شموسها وأقمارها، غرفت من أنهارها ولمست قمم جبالها، مشيت على رمالها وعشت في جوّها الهادئ الآمن.

أجل أعماقك يا صديقي فيها البراري والصحاري والضواري، فيها الكواكب والنجوم، فيها البحار والأشجار والأنهار، فيها الرقة والهدوء وفيها الصخب والضوضاء...

أنت تجمع في داخلك كل الأضداد والمتناقضات، وإن لم تبدأ في اكتشاف نفسك التي بين جنبيك، فأنت ضيعت الكثير على نفسك، حتى لو طفت العالم بأسره.

كيف فكّرت في مراسلة نفسي.

قبل سنتين كما أخبرتك، شاهدت فيديو لنوف حكيم على منصة تاد(https://youtu.be/GLAGgmh1ZIo

في ذلك الحديث هي حكت أنها كتبت رسالة إلى نفسها، وعنوان الفيديو كان لي فات ما مات.

فأعجبتني الفكرة جدا، وهرعت دون تفكير لأطبقها، وعزمت على مراسلة نفسي في كل السنوات، فبدأت من سن السادسة لأن السنوات الأولى قد تكون غير واضحة جدا، لكن فيها ذكريات صارخة لا تُنسى.

أحضرتُ دفترًا وجلستُ وكتبتُ وبكيتُ وابتسمت، وعشت مع نفسي مواقف كانت مدفونة في قبو الذاكرة، منسية يعلوها الغبار وتسكن تفاصيلها عناكبٌ وصغارها.

كنتُ أخاطب نفسي كأنني أراني، أعيش معي وأواسيني في أسخف المواقف قبل أكبرها، وأضحك معي وأستجمع ابتساماتي ودمعاتي وجنون طفولتي...

اخترت قلمًا ورديًا، ودفترًا بغلافٍ أصفر، وكان كل شيء طفولي حتى الفكرة، لكنني لم أتوقع أنّ فكرة طفولية ستغوص بي إلى دهاليز عميقة، كدتُ أضيع بين ثناياها.

قد يبدو الأمر جنونيا، طفوليا أو ربما سخيفًا لكنني متأكدة أنّه ليس من السهل أن تعود إلى جراحك تتفقدها، وتنفض الغبار عن ذكرياتك التي حاولت جاهدًا دفنها، الأمر يستحقّ شجاعة وجرأة يا صديقي.

 7فوائد استفدتها من التجربة

1_ حين تكتب من أجل نفسك، هذه وحدها مواساة من النوع الدافئ، وستنقشع عن الطفل الذي يختبئ بداخلك غمامة الخوف والوحدة، سيشعر أنه ليس وحيدًا...


2_ ستكتشف وتجد المبررات لتصرفاتك السيئة التي لا تعرف مصدرها، لأننا كأفراد بالغين هناك تصرفات طفولية، لا نجد لها سببا منطقيا


في طيات طفولتك ستجد الجذر الحقيقي لكل شيء، لمشاكلك وهواجسك ومخاوفك...، وإذا عُرف السبب بَطُلَ العجب، وستعرف كيف تعالج وتغيّر ذلك.


3_ ستتعرّف على نفسك أكثر، ماذا تحب وماذا تكره... ستعرف الكثير الذي لن يخبرك به أحد، ولن تعرفه إلا بهذه الطريقة.


4_ سيزول التأثير السيء لذكرياتك المؤلمة، لأنك حين تناسيتها أنت لم تتشافى منها، بل غطيتها وهي تنزف وهكذا ستتعفّن يا صديقي وتصبح لعنة تلاحقك...


لكنك حين تكتبها وتراها وتواجهها، ستصبح أقلّ إيذاءً وتفقد غطرستها وسترى كم هي سخيفة، وصدّقني ستضحك من أشياء كانت تبكيك وكنت تتجنّب تذكّرها، وترى كم هي تافهة.


5_ ستصبح أكثر تصالحًا مع نفسك، ستكتشف نقاط ضعفك وقوتك، تعرف مخاوفك... ، وتصبح أكثر تقبّلا لاختلافك، وترى جمالك بين طيّآت المدفون بأم عينيك...


6_ ستزيد قدرتك على التعبير عن نفسك ومشاعرك، دون قيود ولا خوف من نظرة الآخرين وأحكامهم، ستصبح أكثر حكمة وليونة في التعامل مع مشاعرك ...


7_ ستحبّ الكتابة أكثر وستجد أنّها صديق وفيّ، أكثر من أي شخص وتكتشف سحر الورقة والقلم، وهكذا تكون قد جربت الكتابة العلاجية دون أن تعرف.


لأنّك التجربة وحدها كفيلة بعلاج أمور عميقة في نفسك، ويسكن ضجيج عقلك وتصبح أكثر هدوءا وسكونا، وأكثر تسامحًا وتقبّلا...


هذه التجربة أكثر من جلسات كثيرة عند مستشار نفسي، جلسة مجانية وأكثر فائدة وعمقًا وإنسانية.
أنت تتسائل ماذا كتبت في الرسائل صحيح!🤔 حقك ومن حقك عليّ سأخبرك القليل فقط...

نموذج من رسائلي إلى نفسي

دليلتي الصغيرة...

أتذكّر حين ذهبتِ إلى المدرسة ذلك اليوم، وأنت لا تعرفين ماذا حدث وقال لك مدير المدرسة، عودي إلى البيت...

وحين عدتي إلى البيت وجدتِ الكثير من الناس، مجتمعين عند مدخل البيت، كان تجمعا مهولا...

وكنتِ تسمعين أصوات بكاءٍ وصراخ تأتي من كل مكان، وأنت واقفة مندهشة لا تعرفين ماذا يحدث، وكان أخوك الصغير يصرخ بشكل هيستيري...

كان لتلك الأصوات أنيابٌ تشبه أنياب الوحوش تقضم قلبك الصغير، بكل وحشية...

لقد كان جدّكِ مريضًا جدا في الأيام الماضية، وكنتِ ترينهم يتناوبون على الجلوس بجانبه...

ولم تكوني تعرفين أنه بعد أن تتفرّق الجموع، لن تجديه...

كم كان ذلك قاسيًا عليك يا صغيرتي، كان الجميع مشغولين بمصابهم الجلل لقد انهار جبلهم يا صغيرتي...

ولم ينتبهوا أنّ ذلك الركام أصاب روحك أيضًا، أنا هنا من أجلك لقد عدت إليكِ...

كانت هذه أول وفاة أشهدها وأنا بعمر الست سنوات...

كانت ذكرى أليمة جدًا، عدت إلى تلك اللحظة لأحتضن نفسي وأعزّيها وأقيم معها حدادًا وعزاءً على ذلك الفقد...

وأفكّ الشعور السيء الذي يعتريني حين أتذكر جدي رحمه الله، واستبدلته بشعور البهجة حين كان يذهب للسوق ويجلب لي معه حلوى السميد الملونة...

( حلوى تقليدية تباع في الأسواق الشعبية تُصنع من السميد والسكر وتضاف لها ملونات غذائية)...

هذا أول موقف افتتحت به رسائلي إلى نفسي، وعشت طفولتي ومراهقتي وحتى الشباب مع نفسي مجددا، وعشت مشاعر مختلفة واكتشفت انجازاتي وابداعي، وفشلي واخفاقاتي...

إنها رحلة كانت تستحقّ أن تُعاش بحذافيرها، وبكل تفاصيلها لم تكن مجرّد رسائل وكلمات، لقد كانت رحلة تشافي...

وفي السنة الماضية وجدت ملفا على تلجرام في قناة فقه النفس

https://t.me/makanyworldad

رابط كراسة فقه الاستبصار وقراءة النفس https://t.me/makanyworld/11917

وكانت الكراسة أشبه بما قمت به، لكنني رغم ذلك أخذت دفترًا آخر وطبقت ما أراده الدكتور وأجبت على كل الأسئلة، وكم كان ذلك سهلا...، وكنت فخورة بنفسي😄

إذا ألهمتك الرحلة ولو بشيء بسيط، شاركنيه في التعليقات، وإن كانت لك تجربة مشابهة شاركني اياها أيضا ودمت بودّ.