عندما تجتمع القلوب المعطاءة ... وعندما تترفع عن تفاهات الدنيا ... وعن أنانية البشر وتفكر في هدف أسمى وهو الإنسان ...

لم أكن أؤمن بالعمل الجماعي ... فلطالما تجنبت الانخراط في الجمعيات والنوادي ...... ظنا مني أنها مضيعة للوقت وفيها من الرياء ما يُبطل الأجر ويُتلفه ... كم كنت غبية !

هاهي الأقدار تحملني فجأة ... وتجمعني مع أشخاص قلوبهم أبسط ما يقال عنها أنها قلوب طاهرة ... بريئة ...

يبتسمون دائما ... وجوههم لا تعرف العبس .. أرواحهم متفائلة لدرجة أنك تقبس من ذلك التفاؤل شُعَلا تستأنس بها في بعض أركان روحك المظلمة ... اندمجت بسرعة كبيرة جدا ولست معتادة على ذلك ... فقط لأن هناك شيئا ما فيهم يشبهني ... لا أدري ماهو ... ربما العفوية ربما البساطة ... ربما هو سر من أسرار الروح التي لا نعرف متى ترتع لأرواح أخرى ...

سأتحدث عن الجمعية باختصار وذلك لن يفي حقها أبدا ...

هي جمعية نجدة الانسانية ... إسمها يلخّصها ... فالإنسانية الآن مهمّشة ... والمادة أصبحت سيدة العلاقات ... رغم أن كل علاقة تُبنى على المادة فهي علاقة قصيرة العمر ... تزول بزوال سبب بدايتها ...

أغلب من يشكلها أطباء رغم ضيق وقتهم ... ورغم أن أغلبهم بعيدون عن أهاليهم ... إلا أنهم أبوا إلا أن يكونوا كالغيث حيثما هطل نبت .... إضافة إلى تخصصات أخرى ذات قيمة لا تخفى على أحد .. وكل يمنح على أساس مجاله ويبدع في ذلك ...

تأسست في العاصمة ثم ها هي تفتح فروعها في مُدُنَ أخرى ...

أتحدث عن مكتب قسنطينة هو مكتب حديث النشأة ... بدايته كانت ناجحة جدا ... كان يوم العشرين من رمضان أول نشاط تقوم به الجمعية ... "يوم تحسيسي لمرض السكري و كذلك ضغط الدم " ... وفي أكبر مجمع تجاري في قسنطينة اجتمعنا ... كأول يوم أتعرف فيه على قلوبهم النقية ...

كان الناس يتهافتون علينا ... بطريقة كبيرة جدا ... و كان كلما جلس شخص ما أمامي كمريض أو متسائل عن صحته أحس بشعور الأم نحو صغيرها ... بشعور من المسؤولية نحو كل كلمة قد أنطق بها .... علِمت حينها أن للمأزر الأبيض قيمة معنوية ... وأننا نُعتَبر لدى الناس صناديق أسرارٍ وأسبابَ شفاءٍ وألسِنةً صادقةً لا تعرف الكذب ...

مئات من الناس مرت علينا في ذلك اليوم ورغم اختلاف أصولهم ولهجاتهم وأعمارهم كان هدفهم واحد ... هو الإستشارة والرغبة في الحفاظ على صحتهم من أجل من يحبونهم ...

إنتهى ذلك اليوم ولم تنطفئ تلك السعادة التي شعرت بها في داخلي ... كأول تجربة لي ... فللبدايات في القلب موقع خاص ...

بعدها بدأنا التحضير لحفل ختان جماعي من أجل أطفال محتاجين ... كان الحفل ناجحا جدا ... ولم يكن لينجح لولا المتبرعون الذين أبهرونا بأياديهم السخية .. فما قرع زملائي بابا إلا وفُتح لهم ... لأنه ما كان لله خالصا سيتيسّر بعونِه ...

هاهي التحضيرات على قدم وساق ... لم يبخل أحد منا بجهده ... الكل يتعب دون انتظار مقابل أو حتى كلمات ثناء ... فقط لنرى الفرحة في قلوب البراءة ... وهكذا كان فعلا ... فقد رأيت السعادة في عيونهم الصغيرة تُتَرجمها الضحكات والحركات العفوية ... حتى تمنيت أن ألعب وأنشد معهم وأن يعود بي العمر بسنوات للوراء ... لأن في عالم الكبار يصعب استحضار السعادة المطلقة ... وقليل من الاشخاص من يفرح بوردة أو هدية رمزية ... فهم يبالغون في رفع أسقف سعادتهم حتى يُحرمون من محطاتها اللحظية التي لن تعود إذا ذهبت .... عندما اقترب الحفل من نهايته ... جاءتني أم ومعها ولدها .. أخبرتني أن أبوه قد توفي منذ شهرين وأنه يرغب بهدية ولم يكن ضمن قائمتنا ... رأيت في عينيه الحزن والفراغ الكبييير ... سألت الرئيس حينها إن كان بإمكاني ولأنه طيب جدا لم يسأل عن التفاصيل حتى ليسمح لي ... فرحت بذلك أيما فرح ... حملته حيث الهدايا وأخبرته أن يختار مايرغب به ... فلم يصدق وقال لي : قولي والله ... واحتضنني ... نعم ... فحضن الأطفال يمنحنا نوعا من الهدوء والأمان ... وكأنهم هم من يعتنون بنا في هذا العالم وليس نحن ... هذا مجرد موقف بسيط ... من بين مجموعة من المواقف التي جسدها زملائي والذين أبهروني برحابة صدورهم ....

عدت لمنزلي وأنا أحمل ذكريات جميييلة ... وأتمنى أن تتجدد دائما .... فالسعادة التي تحصل عليها عندما تمنح شيئا أكبر بكثير من تلك حين تأخذ ....

وفي الختام ... أقول أن القلب حين يحب أول مرة يُخلص كثيرا ... وكذلك أنا ... لم تقنعني مجموعة من قبل كهذه ... ولهذا سأحبها جدا ودائما بإذن الله ....



بقلم : أسماء_ح