اختلف الفقهاء في شأن الهرة بين منصف ومجحف وهذا تفصيل ذلك الشأن:

روى أبو داود والنسائي والترمذي في الحديث الحسن الصحيح أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَى كبشة بنت كعب، فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا، قَالَتْ: فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ، قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي؟ فَقُلْت: نَعَمْ. فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ: إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ»

نص شرعي واضح على طهارة سؤر الهرة بل طهارة الهرة نفسها، يعضده أن أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لُقّب بأبي هريرة لأنه في صغره كانت له هريرة صغيرة يربيها فناداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هرّ إيناسا له وتحببا ، وهناك رواية أخرى قال فيها أبو هريرة نفسه : (إنما سماني النبي صلى الله عليه وسلَّم بأَبي هريرة لأَني كنتُ أَرْعى غَنَماً فوجدْتُ أَولادَ هِرَّةٍ وَحْشِيَّةٍ فجعلتُها في كُمِّي، فلمّا رُحْتُ عليه سمِع أَصواتَ هِرَّةٍ، فقال: ما هذا؟ فقلتُ: أَولادُ هِرَّةٍ وجدتُها ، قال: فأَنتَ أَبو هُرَيْرَةَ. فلَزِمَتْني بعدُ، قال ابن عبد البَرّ: هذا هو الأَشْبَهُ عندي. وفي بعض الروايات ما يدلّ على أَنَّه كُنِي بها في الجاهليَّة. وفي صحيح البُخاريّ: أَنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلَّم قال له يا أَبا هِرّ، وقد ذكّر الرسول الهرة إعلاء لمقام أبي هريرة، ولم ينكر رسولنا الكريم على صاحبه مسألة تربية الهرة بل أكدها بتكراره لهذه الكنية.

وفي قصة الإفك قالت أمنا عائشة رضي الله عنها : (والله لقد هجرني القريب والبعيد حتى هجرتني الهِرّة ! ).

ولكن بعض الفقهاء كان لهم رأي آخر في هذا الشأن وعلى رأسهم أبو حنيفة الذي كره الوضوء بسؤر الهرة وإن كان يصحح صلاة من يتوضأ به واستدل من نحا هذا المنحى بكراهة ابن عمر لهذا السؤر هو وابن سيرين وابن أبي ليلي ويحيى الأنصاري بل استدلوا باستدلال عجيب وهو أن أبا هريرة رضي الله عنه نفسه روى عن رسولنا الكريم ( إذا ولغت فيه الهرة غُسل مرة )! فتابع الحسن هذه الرواية هو وابن المنذر وابن سيرين بضرورة غسل موضع الهرة مرة ! بل بالغ طاووس حتى أوجب غسله سبع مرات !...

ولا يخفى على أحد هذا التناقض العجيب بين رواية كبشة عن أبي قتادة وبين هذه الروايات التي كرهت سؤر الهرة بل جعلته نجسا يستحق الغسل! فإذا تعارض قول رسولنا الصحيح النسبة إليه مع أقوال الفقهاء فمن نقدّم ؟!! والأعجب والأكثر تناقضا أن يروي أبو هريرة صاحب الهريرة الشهيرة نفسه ما يخالف كنيته التي كناه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم !! ولكن ولله الحمد قال أبو قدامة إن رواية كبشة هي أصح ما ورد في الباب بل أورد رواية صحيحة أخرى عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كُنْت أَتَوَضَّأُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إنَاءٍ، قَدْ أَصَابَتْ مِنْهُ الْهِرَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ» ، وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ. وَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهَا.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

أما حديث أبي هريرة المزعوم فقد ثبت ضعفه على أيدي المحدثين الأبرار فهل نأخذ بأحاديث ضعيفة عليلة ونترك الثابت الصحيح ؟!! وهل نأخذ أقوال البشر ونرد قول سيد البشر وأرحم البشر صلى الله عليه وسلم ؟! 

ولكن التحامل على الهرة لم يقف عند هذا الحد حتى عند من قالوا بجواز التطهر من سؤر الهرة فقد نقل النووي في مجموعه : (بَعْدَ هَذَا فَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَةِ مَا وَلَغَتْ فِيهِ فَلَيْسَ هُوَ لِطَهَارَةِ فَمِهَا بِرِيقِهَا بَلْ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا فَعُفِيَ عَنْهَا كَأَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ ) !! وليت شعري من أين أتى النووي بنجاسة الهرة وما دليله على ذلك ، ولماذا التعنت في تنجيس ما طهره رسولنا الكريم بفعله الثابت الواضح الذي لا مراء فيه؟! وما الداعي لتشبيه أثر الهرة بأثر البول وهو تشبيه شنيع ما أنزل الله به من سلطان، ثم ما فائدة هذا الجدل العقلي من أن سؤر الهرة غير طاهرولكن خُفف من حكمه؟! ، ولكن الحقيقة أن الهرة طاهرة نظيفة بفعل سيد الأنبياء وفعل صحابته الكرام وهذا الذي تأنس إليه النفوس المطمئنة......

أما قضية بيع الهرة في الإسلام فقد ذهب جمهور العلماء إلى جواز بيع السنور منهم أهل المذاهب الأربعة، وذهب بعض أهل العلم إلى تحريمه وهم الظاهرية، وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة ومجاهد وجابر بن زيد، وحكاه المنذري عن طاووس.

وهو الراجح الذي يدل عليه النص، فقد روى مسلم عن أبي الزبير قال: سألت جابراً عن ثمن الكلب والسنور؟ قال: زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وعند أبي داود عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب والسنور، وعند البيهقي عنه أيضاً: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الهرة وأكل ثمنها، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تضعيف هذه الأحاديث، ولكن قولهم مردود، قال النووي في المجموع: وأما ما ذكره الخطابي وابن المنذر أن الحديث ضعيف فغلط منهما، لأن الحديث في صحيح مسلم بإسناد صحيح.

فالهرة ولله الحمد كائن كرّمه الإسلام فقد أجاز الشرب من بقايا شربه بل أجاز الوضوء والتطهر منه وكره بيعه لئلا يصير بضاعة يتداولها الناس بل حرّم أكله بل حرم حبسه وإيذاءه في الحديث الشهير ( دخلت امرأة النار في هرة حبستها) ، وأباح تربيته والعناية به ، فهنيئا للهرة وهنيئا لنا بها معشر المسلمين !