نظافة الهرة:

يقول الجاحظ: ( ومتى أرادتْ الهرة ما يريدُ صاحبُ الغائط، أتت مواضعَ ترابٍ في زاويةٍ من زوايا الدَّار فتبحثه، حتَّى إذا جعلتْ له مكاناً كهيئة الحفرة جعلَتْه فيها ثمَّ غطّتهُ من ذلك التُّراب، ثمَّ تشمَّمتْ أعلى ذلك التراب وما ظهرَ منه، فإنْ وجدَتْ شيئاً من الرائحة زادت عليها تراباً، فلا تزال كذلك حتَّى تعلم أنَّها قد أخفت المرئيّ والمشموم جميعاً، فإنْ هي لم تجدْ تراباً خَمشت وجهَ الأرض، أو ظَهْرَ السَّطح، حتَّى تبلغَ في الحفر المبلغَ، ومن ستر ذلك المجهودَ )

بالطبع أول ما يأتي إلى ذهن القارئ أن الهرة مخلوق نظيف يعشق الجمال ويكره القذارات ويدفنها بيده حياء و طهارة ، ولكن المغرضين المتربصين بالهرة والملتمسين لأخطائها لا يألون جهدا في التشكيك في نية الهرة والعبث بهذه الحقيقة الظاهرة ليظهروا حقدهم الدفين لهذا الكائن الوديع فيقولون كما نقل لنا الجاحظ :

( وزعم ناسٌ من الأطبَّاءِ أن السِّنَّورَ يعرفُ وحدَه ريحَ رجْعهِ، فإنما يستره لمكان شمّ الفأر لَهُ، فإنها تفرُّ من تلك الرائِحة، أو يُغطِّيه )

ثم يستكمل في موضع آخر مكملا حجج هؤلاء المشككين:

( السنور إذا نَجَث لنجْوه ثم ستره، ثم عاودَ ذلك المكان فشمّه فإذا وجد رائحةً زاد عليه من التراب، فقلتم: ليس الكرمَ وستر القبيح أراد، وإنما أراد تأنيس الفأر، فنحنُ لا نَدَعُ ظاهر صنيعَه الذي لا حُكم له إلا الجميل لِمَا يدّعي مُدّعٍ من تصاريفِ الضمير، وعلى أن الذي قلْتموه إن كان حقّاً فالذي أعطيتموه من فضيلة التدبير أكثر مما سلبْتموه من فضيلة الحياء)

وكأن الجاحظ رأى أن تحامل المتحاملين فيه هجوم لا مبرر له وأن المؤمن له الظاهر يأخذ به ولا يسأل عن النيات فالنيات في القلوب لا يعلمها إلا رب القلوب !!