إن الإسلام في تعاليمه يسرح بنا في عالم الآخرة معرجا على الدنيا !! فمن أراد الآخرة بحق فلا بد أن يكون له نصيب من الدنيا ولعل من أكبر هذا النصيب حسن الخلق وحسن التعامل مع البشر الذي هو من مكملات الإيمان ، فلا انفصام بين العبادة والمعاملة ، لا انفصال بين علاقة الإنسان بربه وعلاقة الإنسان بإخوانه ، من فهم الأولى فهم الآخرة ومن اكتفى بالأولى وترك الآخرة فهو قاصر الفهم ضيق العقل قصر الدين على طقوس و شكليات – هي مطلوبة بالفعل – ولكنه ترك جوهر الدين......................

إن تفريج الكربات أخذ محله من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدقال: ( من نفّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما في الدنيا ستره الله في الآخرة، والراحمون يرحمهم الرحمن ) هذا هو كمال الربط بين الدنيا والآخرة و كمال الصلة بين علاقة الإنسان بربه وعلاقته بإخوانه........

يقول سيدقطب رحمه الله في ظلال آية ( و يمنعون الماعون ) : (يمنعون المعونة والبر والخير عن إخوانهم في البشرية.يمنعون الماعون عن عباد الله. ولو كانوا يقيمون الصلاة حقا لله ما منعوا العون عن عباده، فهذا هو محك العبادة الصادقة المقبولة عند الله..

وهكذا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام حقيقة هذه العقيدة، وأمام طبيعة هذا الدين. ونجد نصا قرآنيا ينذر مصلين بالويل. لأنهم لم يقيموا الصلاة حقا. إنما أدوا حركات لا روح فيها. ولم يتجردوا لله فيها. إنما أدوها رياء. ولم تترك الصلاة أثرها في قلوبهم وأعمالهم فهي إذن هباء. بل هي إذن معصية تنتظر سوء الجزاء! وننظر من وراء هذه وتلك إلى حقيقة ما يريده الله من العباد........)

بل يكون عون المسلم لأخيه وشده من أزره خيرا من العبادة كقوله –صلى الله عليه وسلم - : ( لأن أمشي في حاجة أخي المسلم خير لي من أن أعتكف شهرا ) وفهم ذلك الحسن فقال : ( لأن أقضي لأخ من إخواني حاجة خير لي من أن أصلي ألف ركعة !! )

وأثنى النبي على أقوام يفرجون كرب الناس فقال : (إِنَّ لِلَّهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُم بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَافَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا عَنْهُمْ وَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ ) فكان منع النعم عن من يحتاجها مجلبة لزوالها ..........

وتبعا لقاعدة الجزاء من جنس العمل قال – صلى الله عليه وسلم - : (كان الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه )

ولعل التشبيه النبوي والتشبيه القرآني لعلاقة المؤمنين بالبنيان أوالبنيان المرصوص أدل دليل على الشكل المرجو في الإسلام للمجتمع المسلم فهو مجتمع متماسك مترابط في الأزمات لا يتراخى ولايضعف مهما كانت الظروف والأحوال .................

حتى غير المسلم أمرنا بمعونته قال تعالى: ( وإن استجارك أحد من المشركين فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه )

وضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في القيام بحاجات الناس مع أصحابه وغير أصحابه فعن أنس ابن مالك :كانت الصلاة تقام فيكلم النبي صلى الله عليه وسلم رجل في حاجة له فيقوم بينه وبين القبلة فما يزال يكلمه فربما رأيت بعض القوم ينعس من طول قيام النبي صلى الله عليه وسلم له !!!

إن كل ما ورد في الإسلام في هذا الباب عام في كل المسلمين و غير المسلمين فما بالك بخدينك شق نفسك وصفي قلبك !! إنه أولى الناس بتفريج الكربة وحسن جواره وقت شدته ، ومن كان غير ذلك فليس من الإسلام في شيء وليس من الصداقة في شيء........

ولما قصّر الناس في فهم الدين ، بل تركوا دينهم بالكلية علما وعملا ،عبادة ومعاملة ، صار تحلل المجتمع وانفراطه شيئا بدهيا فقد بعد الناس عن النبراس الذي ينير لهم حياتهم ، وبدلا من أن يكون الصديق وقت الضيق صرنا نقول : وقت الضيق يُفقد صديق !!!