تحدثنا في مساحة كبيرة عن مشاركة الصديق لصديقه في همومه و أطنبنا في ضرورتها وفضلها وبقي أن نفصح عن حقيقتها وصورتها التي ينبغي أن تحدث على أرض الواقع...

فهنا يكثر سوء الفهم ، فربما يفهم القاصر النظر أن المشاركة في الهم تكون بالمادة ، ويقول :( نحن في زمن قلت فيه القدرة المادية فكيف أشارك صديقي وأنا لست من أهل الثراء والمال ، إن هذا الكلام قطعا لا يعنيني وحين أمتلك المال سأكون صديقا وفيا أساند صديقي وأقف بجواره حينها !!!!!!!!) وهو إذ يقول ذلك لا يفهم معنى الحب ، ولا يفهم مشاعر الحبيب الذي يريد المشاركة الوجدانية أكثر من المشاركة المادية ، وعموما الدعم ينقسم إلى قسمين : دعم مادي و دعم معنوي ، وليس الموضع محل كلام عن الدعم المادي فسوف نفرده بالحديث عند كلامنا عن الإيثار ، ولكن كلامنا هنا عن الدعم المعنوي النفسي وحتى نفهم طرق الدعم النفسي الوجداني بين الصديقين لابد أن نذكر صورا من الهموم والكربات التي تصيب الناس وطرق تعامل الصديق المخلص مع كل كربة فيتضح معنى المشاركة في الهموم ............

محنة السفر :

إن من صور الكربات التي تصيب الناس عموما والأصدقاء خصوصا السفر ..................

سفر الحبيب وتركه للديار والأحباب ، كربة لا شك فيها فالسفر يترك فيه المسافر أهله وبيته ومرتع شبابه وطفولته ، يترك ذكرياته الجميلة وأيامه التي لا ينساها من ماضيه ، يترك كل هذا مضطرا سعيا وراء العيش و اكتساب قِوام الحياة ، يسافر حين يوازن بين استقراره في بلده و حياته حياة كريمة بقية عمره فيؤثر قلة الاستقرار وفراق الأهل والأحباب سعيا وراء عيشة كريمة و حال أفضل ربما في جمع مال أو في جمع علم ، وأيا كانت الأسباب فالسفر قطعة من العذاب ، واختبار للأصدقاء الحقيقيين .............

هل سيثبتون على عهد الصداقة أم ينكصون ؟؟ هل سيبقون على ذكرى الحبيب أم ينسونه ويبيعون الغائب بالحاضر ؟؟؟ هل سيبقون على الاتصال بالصديق الغائب أم ينشغلون بحالهم وأصحابهم الحاضرين ؟؟؟؟وهنا تأتي المآزرة والمشاركة في الهم ، ربما كانت تلك الصورة صعبة أو محالة في زمن الناقة والفرس ، حين يفصل بين المسافر وأحبابه مسيرة شهور فينتهي الاتصال و يبقى الانشغال في القلب على إيمان بموعد لقاء ويتكلم الشعر مفصحا عن مشاعر المحبين كما أفصح ابن رشيق القيرواني عن شوقه لصديقه الغائب :

إِني وحقِّكَ ما لِصَــــــــــــــــــــــبْرِي أَوّلٌ *** لما نأَيتَ ولا لهمـــــــــــــــــــــــــِّيَ آخِرُ

فلئن سلوتَ فإِنّــــــَني بِكَ وَالِــــــــــــــــهٌ *** ولئن نسيتَ فإِنَّ قلبيَ ذاكــــــــــــــــــر

وعجبتُ للكَاسَاتِ كيف تبَسَّمَـــــــتْ *** في مَجْلسٍ ما أَنتَ فيه حاضــــــــرُ

يا ليتَ شِعْري كيف أَصْبَحَ عنـــدكُمْ *** قَلْبي فَقَلْبي في الخلـــــيطِ مُسَافِرُ

هجم الفراقُ ووجه وَصْلِكَ ضَاحِكٌ *** ودَنَا البُعَادُ وغُصْنُ قُرْبِكَ نَاضِـــــــرُ

كان الشعر وسيلة التعزي والسلوى للمحبين بلا وصل فهم عاجزون عنه ، أما الآن فمع تقدم وسائل الاتصال الحديثة لم تترك الحداثة والمدنية عذرا لصديق في التخلي عن صديقه و قطعه وهجره ........... إن البريد كان من أبسط وسائل الاتصال بين المفترقين وكان الحاضر ينتظر خطابا من الغائب وهو نافد الصبر ، ينتظر تلك الورقة المكتوبة بخط يد حبيبه ليذيب بها ثلوج الشوق ويطفئ بها لوعة الفراق ، وحين يستقر حبيبه في محل سفره فليس للصديق عذر في أن يراسل صديقه في آخر مكان في العالم ليعلمه دائما ويؤكد له حينا بعد حين أنه باق في قلبه لم يُنسه طولُ الفراق أحبابَه ، فيصير الخطاب الصغير المكتوب بالحبر برهان حب و دليل رباط وثيق بين الصديق الحبيب و حبيبه .................

ثم حدثت المعجزة !! يمكن للأصدقاء الذين يفصلهم الأميال والفراسخ أن يسمع بعضهم بعضا ............. يسمع بعضهم بعضا ؟؟!! كيف ذلك ؟ إنه الهاتف ...... التليفون ........ سيسمع الصديق والحبيب صديقه وحبيبه عبر الأسلاك ، انتفى العذر ، ولكن بقيت المحنة ، المكالمة ثمنها غال ، وكلما تكلمتَ دفعتَ مالا كثيرا فالمكالمة دولية ، وهنا يبرز الصديق الوفي الذي لا يبخل على صديقه بالورِق في سبيل سماع صوته وا طمئنانه عليه بنفسه ، سيذهب إلى ( السنترال ) ويدفع ثمن المكالمة عن طيب نفس بلا ندم أو تردد ، كل هذا المال يهون أمام سماع صوت حبيبه ، وهل هنالك أغلى من أن يسمع الحبيب صوت حبيبه ؟!!!

ثم توالت معجزات العصر ، وظهر ( الإنترنت ) وصار بإمكانك إرسال رسائل كثيرة وكبيرة بل يومية بلا ثمن مادي يذكر عبر البريد الإلكتروني و حينها تعرف أخبار غائبك يوما بعد يوم فازداد انتفاء العذر ..........وأخيرا انتهت الأعذار وفنيت حين صار بوسعك الحديث مع غائبك وجها لوجه كأنه معك في بيتك عبر ( الشات ) ومواقع التواصل الاجتماعي صوتا و صورة في أي وقت شئت ، فاجتمع المفترقون و انتهى شتات الأحباب .....ولكن .........

مع كل هذا اليسر نجد قلوبا مريضة لا تلقي بالا لأصدقائها ، تبخل عن الود والصلة ، تستثقل الوصل وهو بلا ثمن !!! يترك الصاحب المقيم صاحبه المسافر الأيام والشهور بلا اتصال وحين يتفضل ويتذكر صاحبه يكلمه دقائق معدودة وهو فيها من الزاهدين !! وحين يلوم الصديق الغائب صاحبه على هجره وانقطاعه نجد العلل الباهتة والأعذار الحامضة التي لا تسمن ولا تغني من جوع بل تزيد الجفاء وتقطع آخر شعرة من شعر الصلة بين صديقين كانا متحابين متلازمين وقت الرخاء والحضر فتباعدا بالجفاء وقت الشدة والسفر ........لقد خبرتُ مرارة السفر وذقت ألم الجفاء ممن ظننتهم أصحابا و أصدقاء ، فافترق الناس عندي فريقين ، فريق صان الود والحب واستمسك بعروة المحبة والإخاء ولم ينسني وإن كنت بعيدا وحيدا ، كنت عندهم الحاضر الغائب !! وفريق وضيع ، لم يرع الأخوة والصداقة وباع البعيد واشترى القريب ، اشترى اللحظة الحاضرة الفانية وترك اللحظة الماضية الباقية فشُرخ بناء الصداقة ثم ترنّح ثم تهدم وكأن شيئا لم يكن وكأن ذكريات الماضي كانت أحلاما !! وكأن معين المحبة كان سرابا !! ..........................

الفريق الأول علم حقيقة الدنيا ووعى حقيقة الصداقة التي لا تُنهيها المفرّقات والفريق الثاني لم يعلم الحقائق فكان ظلوما جهولا ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )..........لا يستويان أبدا عندي ، فالفريق الوفي المخلص بات متوجا على عرش قلبي ، فاز بمكانة سامية لا ينازعه فيها أحد ، والفريق الوضيع الغادر كنستُه من قلبي وألقيته في مزبلة الماضي لا ألوي عليه ولا يجد لقلبي بعد ذلك سبيلا .............ثم تمر الأيام والسنون وتنقلب الأحوال ويصير الغائب حاضرا والحاضر غائبا ، فبعد التئام الشمل وجمع المفترقين ، يصير صديقي الذي كان معي في محنتي هو المسافر ، سيترك أهله ودياره كما تركتُهم من قبل ، وهنا جاء وقت سداد الدين ، إنه موعد رد الجميل بين الأحبة ، فأقف بجواره في محنته وأتصل به كما كان وده موصولا من قبل وأتذكر رسالته لي حين كنتُ مسافرا يقول فيها : اعذرني يا أخي أقسم لك ليس معي من المال ما يمكّنني من الاتصال بك !! ، فهو قصرت يده عن مكالمتي ولكن واجب الصداقة لم يمنعه من أن يرسل لي رسالة على الهاتف يعتذر فيها عن فقره وحاجته التي منعته من أن يسمع صوتي !!!

أتذكر هذا وأتذكر الخائنين المائنين الذين غدروا بي وتخلوا عني في محنتي وهم أغنياء ، أتذكر كل هذا وأنا أتواصل مع صديقي الغائب وأنا أشد من أزره وأقويه في محنته و قلبي راض مطمئن ، فهذه هي الصداقة ، وهذا هو الحب ،وهذا هو الوفاء لمن لا يعرفون معاني الوفاء .............................