إن من أشد المحن التي قد تصيب الإنسان ويحتاج فيها إلى الدعم المعنوي من أصدقائه محنة المرض ....فهذا الصاحب أو الصديق يكون وسط إخوانه ضحوكا بشوشا مرحا ، يشارك أصحابه وزملاءه في أنشطتهم ، يمارس حياته بصورة طبيعية وفجأة يحدث حادث يغير هذا الوجه الضحوك ويتحول الابتسام إلى عبوس ، إنه المرض الذي يقعد الإنسان في فراشه ويحرمه من ممارسة حياته ويوقفه عن دراسته ويمنعه من عمله واكتساب رزقه ، و قد يكون المرض طويلا مزمنا وقد يكون لا يرجى شفاؤه وقد يكون مغيرا لهيئة الجسم يعجز صاحبه عن القيام بأنشطته نتيجة حادث أو إصابه ، وهنا يحتاج المريض إلى القلب الحنون العطوف الذي يشاركه محنته ويؤنس وحدته ، وليس الأهل كافين لهذا الدور ، فالمريض يحتاج للمؤازرة الخارجية ، مؤازرة من خارج البيت ، قلبا محبا كان مشاركا له في السراء ولن يتخلى عنه في الضراء ، إنه دور الصديق المخلص الذي يديم الزيارة لصديقه وربما يلازمه إن احتاج لذلك ، إنه القلب المخلص الذي يقول بلسان حاله لصديقه إنك لست وحدك ، هنالك من يحبك ولن يتنازل عنك مهما حدث ...................

في هذه الحال يتميز الصديق عن الأصحاب والزملاء ، فالأصحاب والزملاء زيارتهم قليلة لعلهم يزورونك مرة أول مرضك ثم تنقطع الزيارة ، فماذا يرجون من صاحب ملازم للفراش ، هم يريدون الضحكات والمزاح والسمر بالليالي ، وهذا ما لا يتوفر فيك الآن ، فأنت صرت مصدر كآبة وهم ، وهم لا يريدون هما على همومهم ، يكفيهم ما يحملونه من هموم ، فيذهبون يبحثون عن صاحب مهزار آخر يقضون أوقاتهم معه ، كل هؤلاء الغثاء يذهبون ويبقى الصديق المخلص الذي لا يرجو من صديقه نفعا ولا مصلحة ، الذي يريد الحب من صديقه والثواب والأجر من خالقه فهو يعلم أنه حين يزور صديقه يجد الله عنده !! ويعلم أن عيادة المريض من حق المسلم على أخيه ويعلم تمام العلم أن زيارة صديقه في مرضه من أسباب دخول الجنة ، يعلم كل هذا ويقوم بدوره على أكمل وجه ................

ومن دوره الأساسي تذكيره لصديقه وهو في محنته بما أعده الله للصابرين على الشدائد من أجر ومثوبة ، فهو يعلم أن كل مصيبة تصيب المؤمن يكفر الله بها عنه، وأن الابتلاء علامة من علامات حب الله لعبده حتى يعلي درجاته وأن المعافين يغبطون المبتلين يوم القيامة لما يجدون من عظم أجرهم ، كل هذا يذكر الصديق به صديقه ، فالمؤمن حين يكون وحده ربما يغفل عن تلك الإيمانيات فيحتاج من يذكره بها ،وَمن أفضلُ مِن الصديق ليقوم بهذا الدور العظيم الذي هو ترجمة للأخوة في الله بحق...............

هنا يصبر المريض و يقبل على الدنيا وعلى ربه غير ناقم ولا قانط ، فقدتوفرت له سبل الصبر .........

ومن أعظم أدوار الصديق إحساس صديقه المبتلى أنه يشعر به ويتألم لمرضه ويرجو الله أن يزيح همه ويتمنى أن يكون الشفاء بيده ليزيح عن أخيه كربه شأنه كما كتب المُعتصم إلى عبد الله بن طاهر :

أَعْزِرْ عليّ بأن أراك عَلـــــــــــــــيلا *** أو أن يكون بك السَّقامُ نزيلاَ

فَوَددْتُ أنَي مالكٌ لسَلامَـــتِــــي *** فأُعيرَها لك بُكرةً وأَصــــــــيـلا

فتكونَ تَبقى سالماً بســــلامتي *** وأكونَ مما قد عَرَاكَ بَدِيـــــلا

هذا أخٌ لك يَشْتكي ما تشتكي *** وكذا الخليل إذا أَحَبَّ خَليلا

إنه لا يتمنى فقط أن يشفى بل يتمنى أن لو كانت صحته بيده فيعيرها لصديقه فيراه بخير حال فهو يشعر أنه المريض لا صاحبه وهذا كمال إحساس الصديق بصديقه و هذا تمام الحب .................

بل تمنى أحدهم المرض لنفسه ولا يكون صديقه عليلا :

يا ليت حمّاه بي كانت مضاعــفــــــة *** يوماً بشهر وأن الله عافــــــــــاه

فيصبح السقم منقولاً إلى جسدي *** ويجعل الله منه البرء عقـــباه

إن المريض حين يكون له صديق حقيقي من هذا النوع النادر يسعد بمكثه عنده وكلامه معه ويتمنى أن يطول بقاؤه معه فهو بلسمه الشافي الذي يخفف عنه وطأة مرضه ، وليس الحال مع الزملاء والأصحاب فشتان بين هذا وذلك فالصديق لا غرو لا يدخل في قول الشاعر :

عِيادة المَرْء يومٌ بــين يَوْمـين *** وجَلسةٌ لك مِثْل اللَّحظ بالعيـــــن

لا تُبْرِمَنَّ مَريضاً في مُســـاءلة *** يكفيك من ذاكَ تَسْآل بــحرفين

وليس فيه كذلك قول بكر بن عبد الله لقوم عادوه في مرضه فأطالواالجلوسَ عنده: المريض يُعاد والصحيح يُزار !!!

ولا قول سفيان الثوري : حُمْق العُوّاد أشدُّ على المَرضى من أمراضهم، يجيئون في غير وقت ويطيلون الجلوس !!!!

فإن هذا الكلام وأشباهه إنما هو في الزملاء والمعارف من عامة الناس لا في الصديق المقرب ، فلا كلفة بين الأصدقاء – كما تكلمنا من قبل – ناهيك بكون قرب الصديق من صديقه قرة عين له و راحة نفس واطمئنان قلب !!

ولعل الحالة الوحيدة التي يجب على الصديق المقرب أن ينصرف فيها مبكرا حين يشاركه الزيارة الزملاء والمعارف فإنه لو انصرف الزملاء وبقي هو صارت الحساسيات بينهم وبين زميلهم المريض ويشعرون بتفضيله لصديقه عليهم ويحدث الحسد والشقاق وربما الوقيعة بين الصديقين لذا فعلى الصديقين الاحتراس من هذه الأمور !!

ومن دور الصديق في مرض صديقه الكلمة الطيبة والثناء الجميل الذي يقوي عزيمة الصديق ويعطيه أملا في نفسه كما قال الشاعر:

لا غَرْو إن نال منك السُّقْمُ والضررُ قد تُكْسف الشمسُ لا بل يُخْسَف القمرُ

يا غُرّة القمر الذّاوي غَضارتُـــــــــــــــها *  فِداً لنُورك منِّي السمعُ والبَصـــــــــــــــــــــــــــــر

إن يُمس جسمك موعوكا بصاليـــةٍ * فهكذا يُوعَكُ الضًرغامة الهَصــــــــــــــــــــــــر

أنتَ الحُسام فإِن تُقْلَـــــل مضـــــاربُه* فقبلَه ما يُفَلّ الصــــــــــــــّارِم الذّكـَــــــــــــــــــــــر

فما أسعده ذاك الإنسان حين مرضه حين يجد صديقه بجواره يحنو عليه ويغذيه ويقويه بعصارة الحب !!!!!!!!

وما أشقى من عاش مرضه وحده بلا معين ولا أنيس ........

مرضت فلم يكن في الأرض حرّ *** يشرفني ببرّ أو ســـــــــــــــــــــــــــــلام

وضنّوا بالعيادة وهي أجـــــــــــــــــــــر *** كأن عيادتي بذل الطـــــــــــــــــعام

لقد عشت تلك اللحظات لحظات المرض ، لحظات قاسية اكتسبت قسوتها من قسوة الناس من حولي حين وجدتهم بين غير مبال بحالي و بين هاجر لا يلوي علي كأنه وجد بغيته بمرضي وانعزالي ، وبين غير محتمل لمرضي وأزمتي وكأنني صرت عبأ عليه وبين من تخلى عني وألقاني خلف ظهره وبين مخلص وفيّ شد من أزري وطيّب خاطري ......

هذا حال الناس تظهر معادنهم وقت الشدائد ..