لنا في صاحبين عظة وعبرة أحدهما أصابه المرض بل اجتمعت عليه الأسقام المقعدة حتى لزم الفراش فعاده صاحبه واتصل به سائلا عنه..

ثم لما عاد إلى عمله والمرض مازال ملما به وجد صاحبه و هو يضحك لهذا و يثرثر مع هذا، يمزح ويقهقه ، وقد ترك صاحبه مهموما مكروبا، جعله مرضه وحيدا منطويا فهو لا يقوى على مجاراة الناس فالتزم مكانه إلى أن يمضي اليوم ، وبدلا من أن يلازم الصاحبُ صاحبَه المكروب تركه وحيدا وانشغل عنه بالناس وممازحتهم ، وفي نهاية اليوم فوجئ الصاحب المعافى بصاحبه المريض وقد خرج بدون أن يسلم عليه أو يكلمه وبدأ الصاحب المكروب يتجنب صاحبه القاسي القلب، أما صاحبنا الغافل اللاهي فبدا متعجبا غير متفهم لصاحبه الذي انطوى فجأة وهجره وخاصمه ، ثم بدأ يتساءل ما بال هذا الصاحب المنطوي الحساس الذي يخاصمني بلا أسباب ياله إذًا من مريض نفسيا يحتاج إلى طبيب يعالجه !! ، وفي الحقيقة إن هذا اللاهي هو المحتاج إلى طبيب ولكنه طبيب للأرواح لا للأبدان !!

وصلت الرسالة أم لم تصل ؟؟ عندما تصل تلك الرسالة لكل الأصدقاء سوف يتجنبون كثيرا من المشاكل والمنازعات ...................

انظر لهذا المثال وانظر لقول أحمد الحكيم الكاتب يكتب إلى بعض أصحابه في مرض :

فديتُك ليلي مذ مرضتَ طويـــــــــل * ودمعي لما لاقيتَ منك هــــــــمول

أأشربُ كأساً أو أســــــــــــــــــــــــــــرُ بلذة * ويفجعني ظبي الفلات كحيـــــــــل

ويضحك سني أو تجف مدامـــعي * وأصبوا إلى لهو وأنت علــــــــــــــــــيل

ثكلتُ إذن نفسي وقامت قيامتـي * وغال حياتي عند ذلك غــــــــــــــــــول

فإن ينقطع منك الرجاء فإنــــــــــــــه * سأبقى على حزني ضحى وأصـــيل

(همول : فائض)

لقد سهر الليالي الطوال مشغولا ببأس صاحبه وعيناه لم تفارق الدمع حزنا على مصابه ، حرّم على نفسه اللذات من شرب و ضحك ولهو وعدّ قيامته أهون عليه من أن يخون صاحبه بالسرور وقت ألمه ، وإن طال الألم وانقطع الرجاء فتلك فاجعتي الكبرى التي لن أفيق منها أبدا مادمتَ مبتلى مصابا !!

أظن أن الفارق بين المثالين أوضح وأكثر تلألؤا من الذهب تحت شمس الضحى !

◄ ولنا في صديقين آخرين نظرة تأمل ، فهذا صديق ماتت أمه ، فقدَ نبعَ الحب والحنان في الحياة ، صار في بيته فراغ كبير لا يملؤه مالئ فقد البسمة الحنون التي كانت تستقبله حين يدخل بيته والكلمة الطيبة التي كانت تهون عليه مصائب الدنيا ومن كان هذا حاله فإن أشد عام يمر عليه بعد ذلك أول عام من وفاة والدته فمع كل مناسبة أو عيد تتجدد الذكريات و يمتلئ القلب بالشجون وتُفقد فرحة المناسبة وهنا يأتي دور الصديق الذي ربما لا يحكي له صديقه كل هذه المشاعر الحزينة فربما يعجز لسانه عن وصفها ولكن لحسن حظه وهبه الله صديقا فهمَ تلك الأمور جيدا وأحس بها تمام الإحساس وكأنه هو المصاب فعندما أتى رمضان تذكر صديقه وتذكر أن فرحة رمضان ومذاقه الخاص لا يتم بغير اجتماع العائلة وتذكر أن أم صديقه هي من كانت تحضر له الطعام والشراب الذي افتقده الآن وكانت تملأ مائدته بنفسها وصنيعها روحا وبهجة ، فضاعت لذة رمضان حسّا و مادةً فأتى دور الصديق الذي أبى أن يفطر بدون أن يشارك صديقه في طعامه وشرابه الذي تعده له أمه التي تتفهّم الأمور جيدا وتقدرها فيدعو صديقه من حين لآخر لتناول الإفطار في بيته ، ليجد المواساة من صديقه و الحنان من أمه التي جعلت نفسها أما له بعد أمه ،فيعلم الصديق أن هنالك من يشعر به ويلطف أحزانه ، ولم ينس الصديق ذو الإحساس اللطيف في العيد أن صديقه لن يجد أما تصنع له كعكا مثل العام الماضي فإذا هو يهدي له علبة من الكعك من صنع أمه ليسد الفراغ ويملأ الفجوة وتُصنع البهجة بأناس لنا أصدقاء ميزهم عن غيرهم فرط شعور بغيرهم من إخوانهم !!

◄ وهذا زميلان في الدراسة توطدت الزمالة بينهما حتى صارا نعم الأصدقاء ،كانا يتنافسان في التفوق والنجاح وكأنهما فرسا رهان كل يعمل ما عليه لينول ما قسمه له الله ، يعيشان لحظات الدراسة لحظة لحظة بين فترات انفراج وسعة وفترات ضيق وكربة حتى جاء وقت الحصاد يوم النتيجة وهنا – بعد أن كانا متساويين في كل شيء- اختلفت النتائج فهذا وفقه الله لمجموع عال يدخله كلية عالية والآخر كان ذا مجموع منخفض يدخله كلية دون مستوى الأول ، الأول في قمة النشوى ، والثاني في منحدر اليأس ،صحيح أنه يحب الخير لصديقه لكنه فجأة شعر أنه دون مستواه فقرر الانسحاب ، وهنا في هذا الامتحان يأتي دور الصديق الناجح ذو الشعور في نفس الوقت ليفهم نفسية صديقه ويحسن تفسير انسحابه وانطوائه ، إحساس الصديق المحب يدله على أن صديقه الذي يثق فيه إنما فعل ذلك ليس حقدا ولا حسدا وإنما دفعه لذلك كسرة نفس أرادت منه أن يختبر صديقه و مدى وفائه له فقرر الابتعاد فترة لينظر كيف يكون رد فعل صديقه ؟ هل يتمسك به ويتشبث بصداقته أم تأخذه أضواء الدنيا وأبراج التفوق ويبحث له عن صديق جديد يناسب مستواه العلمي ، وهنا الصديق المحسّ ذوالشعور اللماح يسارع لصديقه ويأخذه من يده ويجدد عهد المودة والصفاء ويطمئنه أن ليس شيء في الدنيا يفرق بيننا مهما حدث ومهما فرقت بيننا طبقات الدنيا فالقلبان يسكنان بطابق واحد وإن اختلفت طبقات المجتمع المادي !!.............