إن كثيرا من المحبين الصادقين يغمر الحب جوانبهم وتفيض قلوبهم به ، ولكن ألسنتهم تقصر عن التعبير عنه وإن كانت ملامحهم وثنايا وجوههم تشرق بالحب.....

فربما يكون المرء محبا ولكنه ليس بليغا فصيحا ، ألا وإن الشعراء والبلغاء كانوا سباقين للتعبير عن حبهم تجاه أصدقائهم ورفقاء دربهم فوافقت درر ألسنتهم لآلئ قلوبهم وكانوا نبراسا يستضيء به المحبون ومَعينا يستلهم منه الأصدقاء معاني الحب والوفاء............

مكانك يا أخي في القلب باق *** وحب لقاك يحدوه اشتياقـــــي

تلاقينا على درب المعالـــــــــــــي *** ووحّدنا إخـاء في التلاقـــــــــــي

يذكّرني غيابك عن عــــــيوني *** غياب النور عن قمر المحـــــــــاق

ويجري في عروقي منك حب *** كما الأنهار تجري في السواقي

إن حبك يا أخي يجري مجرى الدم من عروقي ، فهو يلازمني ويتدفق في كل خلية في جسمي ، ولم لا وقد كانت معالي الأمور وسمًا مشتركا في غاياتنا و مقاصدنا حتى صرت لا أستغني عنك وأصير بدونك كالقمر الذي افتقد شمسه فصار بلا نور ولا هاد ٍ...............

قال الأصمعي : دخلت على الخليل وهو جالس على حصير صغير فقال تعال اجلس فقلت : أضيّق عليك .. فقال مه فإن الدنيا بأسرها لا تسع متباغضَين وإن شبرا في شبر يسع متحابَين !!.......

ما ألذها تلك اللقمة الهنية ـ وإن كانت صغيرة ـ إذا اقتسمتها مع صديقك وحبيب قلبك!! فهي خير شبع لك وله ؛ فقبل أن تشبع البطون قد شبعت العيون بالنظر إلى محبيها ، وما أمتع تلك الفسحة البعيدة عن البذخ القليلة المؤنة إذا كانت في رفقة من اصطفيته خدينا وخليلا فهو لك أغلى كنز استفدته من هذه الدنيا ، وكنوزها مجتمعة لا تساوي فضائله ولا توازي شمائله ولا تشبع شوق قلبك له إذا فرقت بينكما الأقدار وحالت بينكما حوائل الليل والنهار ..............

(لي أخت لو استبدلوا بها خيرات الأرض قاطبة لا أبدلها ....لي أخت هي أنسي وسعدي وجنتي في دنياي وعدتي لآخرتي ، هي لي كالورد .. بل وأجمل كالماء .. بل وأنقى كالعسل .. بل وأحلى، اللهم أدم وجودها في حياتي ..) من وحي صديقة في حب صديقتها..!!

الود يبقى وحب الله يجمعــــــــــنا *** على الإخاء وطيب القول قد عبقا

والقلب يخفق إن هبت نسائمكم *** فصادقُ الود يجلو الهم والأرقــــــــــا

يالها من خفقة يخفقها القلب سعادة بصديقه ويا لها من نشوة يحسها المحبون المحبوبون ، سعادة من أروع السعادات في الدنيا ، وفرح تزول معه الهموم والأحزان فالمحب ليس وحده في الدنيا فشريكه فيها شريكه في أحزانه ومآسيه..............

في لحظة اخترق فيها حبي لصديقي شغاف قلبي قلتُ من أعماق فؤادي غير مبالغ ولا كاذب :

لقد حال بيني وبين الأمـــل *** فراق عريم يدك المقــــــــــــــــل

ولست بطالب رد القــــضاء *** فجنة ربي ملقى العمــــــــــــــــل

وإن فراقك إن طال يــــوما *** فإن فراقك لا يحتمــــــــــــــــــــــل

حييتُ وأنت رفيق الكتــاب *** بخير رباع حياتــــــــــــي الأول

فإن ظمأ صدري من الأرذلين *** فرؤية وجهك لي كالنـــــهل

وحاولتَ مدحي بقول هزيل *** فلا تنس قولك فاق الجبل

وإن مديحك إن طار مـــــــني *** لغشى السماء وخلى الثمل

(المقل : العيون ، رباع: جمع ربيع ، خلى الثمل: ترك البقاء)

إن أخشى ما خشيته وأنا غارق في بحار حبي له فراقه يوما من الأيام ولكن عوضني عن ذلك الخوف تذكري أن الجنة ملتقى المتحابين المؤمنين ولم لا أقول ذلك وهو رفيق دراستي في خير وأروع أيام صباي وهو الذي حين ألتقيه ينسيني مشاغبات الأرذلين الباردين الذين ليس لهم مكانة في قلبي ، لقد بادلني نفس حبي له حتى حاول أن يمتدحني ولكن بلاغته الهزيلة لم تسعفه ولكن كلماته على ركاكتها وبساطتها كانت تساوي الدنيا وما فيها بالنسبة إلي ، فألّفت له تلك القصيدة وهي غيض من فيض مما أكنه له في قلبي فلو خرج من قلبي ما يحويه من الحب لامتلأت السماء من عبير حبي وثنائي عليه ......

حقا والله الذي لا إله غيره إن هذا هو الحب، وهذه هي الصداقة........