نستكمل رحلتنا مع الشاعر محمد عثمان جلال في نظمه البارع عن القط والفأر

بين المكر و التهور

الفأر حينما يكون جائعا عليه ألا يستسلم لغريزة الجوع وينسى غريزة البقاء ! فالجوع أهون من الموت ، والكائن الحذر هو الذي يستطيع البقاء حيا ما دام حذره محمولا على منكبه ، فمن الأولى إذن ألا يدفع الفأرَ شماتتُه في القط إلى الهلاك وهذا ما صوره الشاعر محمد عثمان جلال في قصة قصيرة رائعة حيث صنع القط للفئران مصيدة يعجز بنو البشر أن يصنعوا مثلها ! فقال:

قَرَأتُ ما سُطِّر في بَعض الكُتُب  * عَمّا جَرى في سالِفٍ مِن الحقَب

أَن الأَمير القطَّ طالَ جـــــوعه *        وَقلَّ ما بَينَ الوَرى هُجـــــوعه

القط مِن حيرته في القاعـــــه *       رَأى عَلى حيطانِها شَمــــــّاعه

فَنَطَّ وَاِستَوى عَلى عِصِـــــيِّها *        وَحوَّط المَكارُ رجــــــــليهِ بِها

ثُمَ تَدَلى بَعدُ بِالمَقـــــــــلوب *      فَصارَ في الهَيئة كَالمَصلــــــوب

وَلَم يَدُم أَن مَرَّ فار ســـــيسي *              تَعلَّم الفتنة مِن إِبليــــــــس

رَآه مَصلوباً فَراحَ مُــــــسرِعا *             وَأَخبر القَوم بِما قَد وَقَــــــعا

فَخَرَجت فيران تِلكَ القـــاعه *            وَأَقبَلَت لفرجةٍ جماعــــــــــه

قالوا لَهُ قتلتَ مَرتيـــــــــن  *             وَلا سلمت مِن غراب البـــين

وَرَحَل البَعضُ لِخَوفٍ مِنــــهُ  *      وَحَوَّلوا وَجهَ الأَمانِ عَنـــــــه

وَمُذ رَأى القطُّ فَريـــــقاً وَلى *        وَخافَ إِن راحَ الجَـــــــميعُ ألا

نَطَّ عَلى من منهم تَخــــلَّفا  *     وَبلَّ ريقه وَغَلَّ وَشــــــــــَفى

وَقَد نَجا مَن خافَ مِنهُ وَعلم  * وَهَكَذا في الناس مَن خافَ سَلِم

نصيحة أم لابنها :

الطفل لسذاجته وبراءته قد يرى جمرة من النار تبرق وتلمع وتضيء الظلام فيظنها شيئا جميلا يستحق اللمس فيقترب منها ويضع يده عليها فيفجأ بأنها تحرقه ويظل يبكي الليالي الطوال جزاء سذاجته وقلة علمه وخبرته بهذه الحياة المريرة، ولكن في عالم الفئران لا يوجد جمرات نار وإنما يوجد قططة متوحشة ليس لها همّ إلا التربص بالفئران لتخنقها وتنهش لحمها !! وهذا ما صوره الشاعر محمد عثمان جلال فقال:

فَأرٌ صَغير ما عَثــــرتُ باسمهِ *  لَكن سَمِعتُهُ حَكــــى لِأُمه

قالَ لَها اليَوم قبيلَ الظُـــهر *  رَأَيت شَيئاً واقفاً لا يَــجري

وَوَجهه مُقسمُ جَـــــــميلُ *    وَذَيلُهُ كَذَيلِنا طَويــــــــــل

وَسحرُ عَينيهِ يَفوقُ السحرا *  وَشَعره يسبي عُقول الشــُعرا

وَلَونُهُ أَبيض كَالدَقـــــيق *    في غاية اللمعة وَالبَــــــريقِ

وَبَعد ما أَمعنتُ فيهِ النَظَرا  *  سَمعت صَوتاً مَزعِجا قَد ظَهَرا

فَجئت وَاختَفَيت مِمَن صاحا*       لا أَسعد اللَه لَهُ صَبـــــاحا

رَأَيتهُ وَهوَ بِأَعلى الـــــدار  *   وَفَمه قَد حُفَّ بِالمنــــــــقار

وَفَوقَ رَأسه هِلال أَحــــمرُ *   كَأنه بَينَ الطُيور طائــــــــر

لَولاه ما هَربت في الشُقـوق * وَلا تَرَكت رُؤية المَعـــــشوق

قالَت لَهُ المَعشوق فَهوَ القط  *  يَلتزم السُكوت لا يَنُـــــــط

وَالطائر الصائح فَهوَ الديك *  لَيسَ لَهُ في حيّنا شَــــــريك

وَالحَمدُ لِلّه بِهِ سَلمـــــــتَ  * وَمثلما رَأَيتَ قَد علمـــــتَ

فَاِحذَر فَإِن القط فينا ســاهر *  وَلا يَغرَّنكَ الجَمــــال الظاهر

كَم حسن ظاهره قَبـــــــيح  *  وَسَمجٍ عُنوانه مَلـــــــــيح